ومن الأدلة على بطلان القول بتعميم التفويض- ليشتمل ما تحمله الصفات من معانٍ، وعلى أن ذلك مناقض لما كان عليه النبي وصحابته- أن من تأمل خُطَبه عليه السلام وخطبهم وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد وذكر صفات الرب جل جلاله وأصول الإيمان بالكلية، فقد كانوا يذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم. [زاد المعاد لابن القيم 1/116] ، ومن تفسيراته صلوات الله وسلامه عليه لبعض أسمائه تعالى على النحو السابق ذكره ما جاء في قوله: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» . فقد فسر في قوله: «الأول والآخر» ، وقوله: «الظاهر والباطن» كل اسم له سبحانه بمعناه اللائق به، ونفى عنه ما يضاده وينافيه بما يفيد تفرد الرب بالكمال المطلق والإحاطة الزمانية والمكانية المطلقة، فـ «الأول» يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويوجب للعبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية، إذ السبب والمسبَّب منه تعالى، و «الآخر» يدل على أنه هو الغاية والصمد الذي تصمد إليه المخلوقات بتألهها ورغبتها ورهبتها وجميع مطالبها، و «الظاهر» يدل على عظمة صفاته واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات، ويدل أيضًا على علوه سبحانه، و «الباطن» يدل على اطلاعه على السرائر والضمائر والخبايا والخفايا ودقائق الأشياء، كما يدل على كمال قربه ودنوِّه، ولا يتنافى «الظاهر» و «الباطن» ؛ لأن الله ليس كمثله شيء في كل النعوت». [الحق الواضح في شرح كافية ابن القيم للسعدي ص15] ، وللبيهقي عن مقاتل بن حيان قال: «بلغنا والله أعلم في قوله تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن [الحديد: 3] ، هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء والباطن أقرب من كل شيء، وإنما قربه بعلمه وهو فوق عرشه» . [العلو للعلي الغفار للذهبي ص102]
هكذا كان معتقد سيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه على ما فهمه عنه الصحابة وتابعوهم بإحسان، وهو من قبل هذا معتقد جميع الأنبياء والمرسلين الذين في شأنهم يقول ابن القيم رحمه الله في الكافية الشافية:
هذا ومن توحيدهم إثبات أو
صاف الكمال لربنا الرحمن
أي من توحيد الأنبياء والمرسلين وأتباعهم أن يعترفوا ويثبتوا لله كل صفة للرحمن وردت في الكتب الإلهية وثبتت في النصوص النبوية، يتعرفون معناها ويعقلونه بقلوبهم، ويتعبدون لله تعالى بعلمها واعتقادها ويعملون بما يقتضيه ذلك الوصف من الأحوال القلبية والمعارف الربانية، فأوصاف العظمة والكبرياء والمجد والجلال تملأ قلوبهم هيبة وتعظيمًا له وتقديسًا، وأوصاف الرحمة والبر والجود والكرم تملأ القلوب رغبة وطمعًا فيه وفي فضله وإحسانه وجوده وامتنانه، وأوصاف العلم والإحاطة توجب للعبد مراقبة ربه في جميع حركاته وسكناته، ومجموع الصفات المتنوعة الدالة على الجلال والجمال والإكرام تملأ القلوب محبة لله وشوقًا إليه وتوجب له التأله والتعبد إلى ربه بأقواله وأفعاله بظاهره وباطنه، بقيامه بحقه وقيامه بحقوق خلقه، وبهذه المعاني الجليلة وتحقيقها يرجى للعبد أن يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» . [متفق عليه] . فإحصاؤها فهمها وعقلها والاعتراف بها والتعبد لله بها. [الحق الواضح ص12، 13] .
ومما يدل على إثبات الأنبياء لما أثبته سبحانه لنفسه من صفات، ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل في حق موسى عليه السلام، قال: «كلم الله موسى من وراء حجاب، فقال: رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني [الأعراف: 143] ، فأخبر الله عز وجل أن موسى يراه في الآخرة، وقال: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] ، ولا يكون حجاب إلا لرؤية» . [المعارج 1/272]
وفي معنى ذلك يقول الإمام أبو الحسن الأشعري إمام المذهب في تعليقه على آية الأعراف: «ولا يجوز أن يكون موسى صلوات الله عليه وسلامه وقد ألبسه الله جلباب النبيين وعصمه بما عصم به المرسلين، قد سأل ربه ما يستحيل عليه، فإذا لم يجز ذلك على موسى صلى الله عليه وسلم علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلاً وأن الرؤية جائزة على ربنا تعالى، ولو كانت الرؤية مستحيلة على ربنا تعالى كما زعمت المعتزلة ولم يعلم ذلك موسى عليه السلام وعلموه هم لكانوا على قولهم أعلم بالله من موسى، وهذا مما لا يدعيه مسلم. [الإبانة ص41:43]