فهرس الكتاب

الصفحة 2366 من 9994

#التفكر ومشروعيته

الحمد لله الذي لم يُقدر لانتهاء عزته نحواً ولا قطراً, ولم يجعل لمراقي أقدام الأوهام ومرمى سهام الأفهام إلى حمى عظمته مجرى, بل ترك قلوب الطالبين في بيداء كبريائه وآلهته حيرى، كلما اهتزت لنيل مطلوبها ردتها سبحات الجلال قسراً, وإذا همت بالانصراف آيسة، نوديت من سرادقات الجمال صبرا صبراً, ثم قيل لها أجيلي في ذل العبودية منك فكراً, لأنك لو تفكرت في جلال الربوبية، لم تقدري له قدراً, وإن طلبت وراء الفكر أمرا فانظري في نعم الله -تعالى- وأياديه كيف توالت عليك تترى, وجددي لكل نعمة منها ذكراً وشكراً, وتأملي في بحار المقادير كيف فاضت على العالمين خيراً وشراً, ونفعاً وضراً, وعسراً ويسراً, وفوزاً وخسراً، وجبراً وكسراً، وطياً ونشراً، وإيماناً وكفراً, وعرفاناً ونكراً، فإن جاوزت النظر في الأفعال إلى النظر في الذات فقد حاولت أمراً إمراً, وخاطرت بنفسك مجاوزة حد طاقة البشر ظلماً وجوراً, فقد انبهرت العقول دون مبادئ إشراقه، وانتكصت على أعقابها اضطراراً وقهراً, والصلاة على محمد -سيد ولد آدم- وإن كان لم يعد سيادته فخراً, صلاة تبقى لنا في عرصات القيامة عدة وذخراً, وعلى آله وأصحابه الذين أصبح كل واحد منهم في سماء الدين بدراً، ولطوائف المسلمين صدراً، وسلم تسليماً كثير1.

أما بعد:

عباد الله:

فإن التفكر في خلق الله وفي أمور الدين والآخرة من صفات عباد الله الصالحين، ولقد أكثر الله -تعالى- في القرآن الكريم من لفت الانتباه إلى قضية التفكر في هذا الكون الدال على عظمة الله وقوته، وعلى علمه وحكمته،،

قال بن القيم -رحمه الله-: (أصل الخير والشر من قبل التفكر، فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض, وأنفع الفِكر: الفكر في مصالح المعاد, وفي طرق اجتلابها, وفي دفع مفاسد المعاد, وفي طرق اجتنابها, فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار، ويليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها, وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها, فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء ورأس القسم الأول: الفكر في آلاء الله ونعمه, وأمره ونهيه وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما والاهما, وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة, فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها, وفي الدنيا وخستها وفنائها؛ أثمر له ذلك الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا, وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت, وهذه الأفكار تعلي همته وتحييها بعد موتها وسفولها, وتجعله في واد والناس في واد, وبإزاء هذه الأفكار -الأفكار الرديئة- التي تجول في قلوب أكثر الخلق كالفكر فيما لم يكلف الفكر فيه ولا أعطى الإحاطة به من فضول العلم الذي لا ينفع، كالفكر في كيفية ذات الرب وصفاته, وغيرها مما لا سبيل للعقول في إدراكه) .2

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه) .

أيها المؤمنون -عباد الله- لقد كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار, ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار, ومبدأ الاستبصار, وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم, وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته.

وقد أمر الله تعالى بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى, وأثنى على المتفكرين فقال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (191) سورة آل عمران.

بل توعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من لم يتفكر في الكون فعن عطاء قال: انطلقت يوماً أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة -رضي الله عنها- فكلمتنا وبيننا وبينها حجاب, فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا, قال: قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (زر غِباً تزدد حباً) ، قال ابن عمير: فأخبرينا بأعجب شيءٍ رايتيه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: فبكت, وقالت: كل أمره كان عجباً! أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي, ثم قال: (ذريني أتعبد لربى - عز وجل-) , فقام إلى القربة فتوضأ منها, ثم قام يصلى فبكى حتى بل لحيته, ثم سجد حتى بل الأرض, ثم اضطجع على جنبه حتى أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح, فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, فقال: (ويحك يا بلال! وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله -تعالى- عليَّ في هذه الليلة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} (190) سورة آل عمران.ثم قال: (ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها) .3 فقيل للأوزاعي ما غاية التفكير فيهن؟ قال: يقرؤهن ويعقلهن.4

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت