وقد يحدثُ النقيض، فالزوجةُ الأولى في قصرها المهيب، وفناءِها الفسيح، وبين أثاثِها النادر، وأمَّا الجديدة ففي شقةٍ لا يساوى إجمالي مساحتِها مساحةَ بهو القصرِ الآنفِ ذكره, فأين العدلُ بين الزوجات ؟ أجيبوا أيها المعددون ؟
وأخيراً , فإنَّ أشدَّ أنواعِ الظلم ، وأكثره جوراً أنْ يتحولَ التعسفُ من كونِه ذا صبغةٍ شخصية ، وأذى نفسي ، إلى اتخاذِه ، طابعَ الفتنةِ عن الدين.
كأنْ ينهى زوجتَه عن الصلاة ، أو يأمرَها بالتبرجِ, والسفور ، أو مخالطةِ الرجالِ والأجانب ، أو يدعوها مطالعةِ ما حرَّم الله ، أو السفرِ إلى بلادِ الكفرِ والفساد, أو نحوها ممَّا هو دأبُ من لا خلاقَ له ولا نصيب.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,
أمَّا بعدُ:
فقد ساهمَ في وجودِ هذه الظاهرةِ المحزنة ، ثلاثةُ أشخاص .
الأول: وليُ المرأة الذي أضاعَ موليتَه ، يومَ زوَّجها ممن لا يُراعي فيها إلاًّ ولا ذمة.
زوَّجها قبلَ أن يتعرفَ لأيِ فصيلةٍ من الذئابِ ينتمي ، هذا الذي تقدمَ, وطرقَ بابَه يطلبُ يدَ ابنتهِ, فقد غرَّته ابتسامتُه الصفراء ، ووجههُ المصقول ، فَذُهلَ عن كشفِ المغطى، ومعرفةِ المخبأ، فلمْ يسأل عن دينهِ, وخلقه , ولم يعرفْ نشأتَه , ومنهَج حياتهِ ، فسلَّمه فلذةَ كبدِه ، وقطعةَ فؤادهِ ، كيما يذيقَها من العذابِ كؤوساً ، ومن الويلِ دروساً
فهزَّ كيانَها ، وخدشَ كبريائَها، وحطَّم شعورَها, وكسرَ قلبها, وأبدلَها بالعزِّ ذلا وبالسعادةِ بؤساً, كما ساهمَ في صُنعِ المأساةِ ، ذلك المستشارُ الخائن ، يوم جاءُه وليُ المرأةِ ، يستشيرُه, ويسألُه عن ذلك المتقدمِ لابنتهِ , فإذا به يكتمُ عيوبَه , ويسترُ ذنوبَه ويُعظمُ شأنَه , ويرفعُ قدرَه ، ويقسمُ أيماناً مُغلَّظة، أنَّه زينةُ الرجال ,وحمامةُ مسجده ، وعابدُ زمانه ، وزاهدُ عصره, ووحيدُ دهره، فهو لقطةٌ لا تُفوت, وفرصةٌ لا تضيع , لا يُقدرُ بثمن , ولا يُعدلُ بقيمة .
ألا قبَّح اللهُ الغشَّ, وأهلَه
ما لهم لا يَتقون ؟! وإذا اُستشيروا لا يَصدقون, ولا يَنصحون ؟!
أليس المستشارُ مؤتمناً ؟! فلماذا يخونُ الأمانةَ في قضايا حياةٍ ومصير، وعشرةٍ وطولِ صحبة ؟!
ولماذا يستسهلونَ ويسترخصونَ شأنَ النساء ؟ ألسن بشراً من لحمٍ ودم , وإحساسٍ وشعور ؟!
وقد يكونُ المتسببُ في شقاءِ الزوجة ، هي الزوجةَ نفسَها , حين تُصر على الزواجِ من شخصٍ بعينِه، كونُه أخاً, أو قريباً لزميلتِها، التي غرّتها بأخيها, فأخذتْ تكيلُ له المديح، وتُسهبُ له في الثناء .
أخي ما أظرفه, أخي ما أعقله , أخي ما أجمله , أخي ما أوسمه , أخي حنونٌ, بشوش، كريمٌ, ودود, فتطيرُ المسكينةُ فرحاً بفارسِ الأحلام ، يمتطي صهوةَ جوادهِِ الأبيض، يطيرُ بها إلى جنةِ البيتِ السعيد فلا غروَ إذاً ، حين تصرُ المسكينةُ على الزواجِ بذلك السراب وتمنعُ وليها عن السؤال, أو الاستقصاء ، حتى تحصلَ الكارثة ، وتقعَ المصيبة فلا ينفعُ الندم , ولا تُفيدُ الأحزان .
وأخيراً أيها المسلمون: فإنَّ الحلَّ لهذه المشكلةِ ، والعلاجَ لهذه الظاهرةِ ، هو في تطبيقِ المنهجِ النبوي، عند اختيارِ الأزواج.
الحل في تجسيدِ قولهِ عليه الصلاةُ والسلام, واقعاً, محسوساً يومَ قال: (( إذا أتاكم من ترضون دينه, وأمانته فزوجوه , إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) ) [1] .
هذا قبلَ وقوعِ المشكلةِ أصلاً ، أمَّا إذا وقعتْ, وحصلَ الذي حصل ، فالحلُّ يكونُ بمحاولةِ إصلاحِ الزوج ، وتصحيحِ أخطاءهِ ، فالله يقول: (( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) )فإن تعذر ذلك (( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان ) ).
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.
وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
[1] رواه ابن ماجة (1967) من حديث أبي هريرة t .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهدي الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل فلنعم الزاد التقوى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) .
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) (الحشر:18) .
أيها المؤمنون: إن الأمة التي نعمت البشرية بقيادتها هي أمة الإسلام شهد بذلك التاريخ العريض، حضارة خرجة من رحم العلم النافع والعمل الصالح ، من العلم الرباني الموجه بوحي الله عزوجل ، إنه العلم القادر على إسعاد الناس في دنياهم وأخرهم ، فالإسلام منذ بزوغ فجره فرض على الأمة التي ارتضته ديناً أن تكون أمة مثقفة مدركة واعية ، فحقائق هذا الدين من عقيدة وأخلاق وعبادات ومعاملات بتفاصيلها الدقيقة وأصولها العميقة ليست طقوساً مبهمة تؤخذ بالتقليد الوراثة ، وليست مهمات لفظية تحمل بغير وعي ولا إدراك ، إنها وحي ثابت وعلم يقيني قطعي محدد جاء من عند خالق الخلق ، إنه حقائق تستخرج من آيات الكتاب وآيات الكون والأنفس والآفاق ومنهج قراءة هذه الآيات جاء في كتاب الله والمعلم هو رسول الله r الذي يقول: (( إنما بعثت معلماًً ) ).