فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
اغتنام الأوقات
عبد الله بن صالح القصير
الرياض
جامع الأمير متعب
ملخص الخطبة
1-الدعوة إلى اغتنام الأوقات 2- الدعوة إلى المسابقة بالخيرات 3- ذكر بعض صفات الخير التي تُخل الجنة
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الناس! اتقوا الله واجتهدوا فيما يحبه ويرضاه، وتوبوا إلى ربكم قبل أن ينظر المرء ما قدمت يداه؛ فإن الله تعالى قد أقام عليكم الحجة فيما شرع لكم من الهدى، وأسبغ عليكم النعمى، وأمهلكم إلى أجل مسمى، وكل إلى نفاد وشيك وزوال قريب، ولن يزيد في العمر المحدود طول الأمل الممدود، فأكثروا من صالح العمل قبل نفاذ الأجل، وتأهبوا للنقلة فإن الرحيل قريب، وتزودوا للمسير فإن السفر بعيد، والمعاد مضمار العباد، فيغتبط بما احتقب غانم، ويبئس على ما فاته نادم، فبادروا بالخير - رحمني الله وإياكم - ما دمتم في مهل الأنفاس وجدة الأحلاس قبل أن يؤخذ بالكضم ولا يغني الندم، فلن يهمل من الأعمال صغير ولا كبير، ولن يظلم أحد ذرة فضلاً عن النقير والقطمير.
أيها المسلمون: جاء في سنن الترمذي وغيره أن النبي قال: (( بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسيا ، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ) )؟. والمعنى: اغتنموا الفرص في عمل الصالحات وترك المنهيات، والتوبة إلى الله من الخطيئات قبل أن تفاجأوا بواحدة أو أكثر من هذه الفواقر الكبار.
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي وعظ رجلا فقال: (( اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) ).
وفي التنزيل يقول الرب الجليل: وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون [سورة المنافقون:10-11] .
عباد الله: افعلوا الخير واستبقوا الخيرات، وسارعوا إلى المغفرة والجنات، بادروا في ذلكم الأعمار، واشغلوا به لحظات الليل والنهار؛ فإن من سارع إلى الخيرات سبق، ومن أخذ بمنهاج السلف الصالح لحق، وذلكم يقين بخبر رب العالمين إذ يقول في الذكر المبين: أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون [سورة المؤمنون:61] . ويقول: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك هو الفوز العظيم [سورة التوبة:100] . ويقول سبحانه: والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين [سورة الطور:21] . فتحروا الخير تهدوا إليه، ولازموه حتى تلقوا ربكم عليه، فقد ثبت في الصحيح: (( يبعث كل امرئ على ما مات عليه ) ).
معشر المسلمين: ومن نعم الله على العباد أن الخير مُنَوَّعٌ وميسر ومبارك وثوابه مكثر، وهو معالم تهدي من فطن لها، فاهتدى بها، إلى مثلها، وخزائن بعضها مفاتيح بعض، وأيم الله إنها أعظم وأجل وأنفع وأبقى من خزائن الأرض، فافرحوا بما شرع الله لكم من أبوابه، واستبشروا بجزيل إنعامه وكريم ثوابه: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس:58] .
معشر المسلمين: ثبت في الصحيحين أن النبي قال: (( الإيمان بضع وسبعون ) )وفي رواية: (( بضع وستون شعبة ) ). (( فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق؛ والحياء شعبة من الإيمان ) )، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله قال: (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ) ).
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: (( الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله ) )قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: (( أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً ) )قلت: فإن لم أفعل؟ قال: (( تعين صانعاً أو تصنع لأخرق ) )قلت: يا رسول الله! أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: (( تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك ) )متفق عليه.
وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (( إنه خلق كل إنسان على ستين وثلاثمائة مفصل؛ فمن كبر الله وحده، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجراً عن طريق الناس أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد الستين والثلاثمائة فإنه يمسي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار ) ).
وعن أبي هريرة عن النبي قال: (( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح ) )متفق عليه.
وفي الصحيحين عنه أيضا في قصة الرجل الذي وجد كلباً يلهث يأكل الثرى من العطش فنزل بئرا فسقاه، وفيها: (( فشكر الله له فغفر له ) )، وفي البخاري: (( فأدخله الجنة ) ).