فهرس الكتاب

الصفحة 8436 من 9994

النفوس المطيعة لا تحتاج إلى رقابة القانون وسلطة الدولة لكي تردع عن الجرائم لأن رقابة الإيمان أقوى والوازع الإيماني في قلب المؤمن يقظ لا يغادر العبد ولا يتخلى عنه ومن هنا فلا بد من غرس مفهمو الخوف من الله ومراقبته في نفوس الناس بدلاً من تخويفهم بالأنظمة والقوانين فليست قوانين الجماعات ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة تُحترم فيها الحقوق وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل فإن الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط أو السجن أو العقوبات المالية لا يلبث أن يهمله متى اطمأن إلى أنه سيفلت من طائلة النظام وليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين أو تداينها في كفالة احترام الحقوق وضمان تماسك المجتمع واستقرار نظامه.

أيها المسلمون

ويستجلب الأمن ويحافظ عليه بالقيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المستوى الفردي والشعبي والرسمي فهو صمام أمان المجتمع وبه يحصل العز والتمكين: (( َلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ) ).

وبقدر ما تتخلى الأمة عن هذه الشعيرة بقدر ما يستأسد المجرمون ويستعلي المجرمون لأنهم فقدوا اليد الحازمة والقوة الرادعة التي يمثلها حراس الفضيلة ممن لهم في ميدان البذل والعطاء بصمات وفداء.

ويحافظ على الأمن بالعدل في كل جوانب الحياة فالراعي مع رعيته والأب مع أهله وزوجاته والمعلم مع طلابه والرئيس مع مرؤوسه والكفيل مع عماله فالظلم يولد الأحقاد والرغبة في الانتقام.

ومتى تحقق العدل حصل الأمن فاعدل أيها المسلم في تعاملك وحكمك وحينها نم حيث شئت فقد عدلت فأمنت فنمت, ومن مقومات الأمن إقامة الصلاة وتربية الناشئة عليها فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي حصن عن كل شرور وحاجز عن كل جريمة.

ويتحقق الأمن بتهيئة المحاضن التربوية للشباب ودعم كل المؤسسات العاملة في تربية الناشئة من حلقات القرآن ومراكز صيفية دائمة.

ومن أقوى الأسباب لحصول الأمن معالجة كل ظواهر الانحراف لدى الشباب من منطلق إيماني ومفهوم إسلامي.

إن من أبرز أسباب انحراف الأبناء ما تعيشه بعض البيوت من فقر يخيم عليها أو نزاعات وشقاق بين الآباء والأمهات وما ينتج عنها من حالات طلاق وتشتت وتشرد وضياع ومن الأمور المعلومة أن الولد عندما يفتح على الدنيا عينيه..

الخطبة الثانية

فإن الأمن والاستقرار يظل ويبقى حينما تعالج الأخطاء والتجاوزات بكل هدوء وحكمة بعيداً عن التشنج والانفعال والغضب والمبالغات والتهويل أو معاقبة الأبرياء بجريرة المذنبين.

والأمن والاستقرار يتحققان حينما يقوم العلماء بدورهم في احتواء الموقف ومعالجة الأحداث وتقريب وجهات النظر وتهدئة الانفعالات وفتح قنوات الحوار الهادف الهادئ مع الشباب لترشيد حماسهم وتوجيه انفعالهم وتسخير طاقاتهم في خدمة الأمة ودينها.

أما أن يعيش العلماء في برجهم العاجي ومن خلال مكاتبهم الوثيرة يهاجمون الشباب ويتهمونهم ويتطرفون في احتقار أفكارهم والتساهل بقدراتهم ويأنفون من تساؤلاتهم ومطالبهم فإن هذا يولد فجوة بين العلماء والشباب تدفع الشباب إلى تصرفات غير مدروسة وأعمال غير مشروعة فافتحوا أيها العلماء والدعاة صدوركم وبيوتكم ومكاتبكم للشباب ووجهوا حماسهم وهذبوا عواطفهم.

وإن الأمن الوطني لا يتحقق إلا بوجود الأمن الفكري وذلك بحماية الأجيال الناشئة وشباب الأمة من دعوات التغريب ودعايات الفساد والإفساد.

لكي يتحقق الأمن لابد من حماية شباب الأمة وتحصين أفكارهم من الهجمات الداخلية التي تسمم العقول وتحرف السلوك وتسيء إلى الدين وتقضي على الأصالة وتشكك في الولاء وصدق الانتماء.

لكي يتحقق الأمن لابد من القضاء على مغذيات الجريمة وقطع عروق الانحراف من مجلات ساقطة ووسائل إعلام هابطة وأغانٍ ماجنة.

كيف نريد للشباب أن يستشعر المواطنة الصالحة ويحافظ على مقومات أمن الوطن ويسهم في نهضته ويقوم بواجبه تجاهه وهو في الوقت ذاته يستقي أفكاره وثقافته ومنهجه من قنوات تعمل على تخدير الأمة وشبابها من خلال إشاعة الفاحشة وبث الرذيلة ونشر الإباحية والترويج للعنف والجريمة والتعود على رؤية المنكرات وعدم التفكير بإنكارها.

ماذا فعلنا للتجمعات الشبابية على الكثبان الرملية وفي الاستراحات حيث تغرس بذور الجريمة وتشعل جذوة الانحراف.

إن حملات التوعية الأمنية خطوة إيجابية ولكنها لن تحقق هدفها ما لم يصحبها عزم أكيد ونية جادة لدراسة أسباب الجريمة ومظاهرها ومعالجتها معالجة فعالة في ضوء تعاليم الإسلام وهدي سيد الأنام.

ودين الإسلام شامل وكامل (( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ من شي ) )وتطبيقه علاج لكل مشاكل المجتمعات وقضايا الدول.

وأخيراً:

ولكي يتحقق الأمن ويدوم لا بد أن يدرك شبابنا الغيور أن العبد لا يعلم أن يكون الخير والشر فيما يقتضيه الله سبحانه إلا في ضوء ما عمله الله لعباده من السنن والثواب، ومن هنا فلا ينبغي للعبد أن يتعجل الأمور أو يحلل المواقف والأحداث قبل دراستها والبحث في جوانبها متجرداً في ذلك لله عز وجل مهتدياً بالسنن والموازين والسنن الثابتة التي ذكرها الله في كتابه وعلى لسان رسوله وإذا وفق العبد إلى هذا الفضل فإنه غالباً يصدر عن الحق وينطق بالحق وينشأ عنده صفتا الحلم والأناة اللتان يحبهما الله عز وجل وكم رأينا من أناس تعجلوا أمورهم قبل أوانها فكانت نتيجتها وبالاً وشراً عليهم وعلى أمتهم.

ومن صور الاستعجال ما نراه من تعجل بعض الغيورين في قطف ثمرة جهدهم وتعريض أنفسهم للابتلاء وتمنيهم لمواجهة العدو وينسون ويغفلون عن قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا ) ).

فإن المرء لا يدري ما تؤول إليه الحال عند مواجهة العدو ومشاهدة الأهوال وكم من أناس استعجلوا الابتلاء قبل أوانه فلما أصبحوا تحت وطأته ضعفوا وانتكسوا والعياذ بالله .

وقد ذكر الله قصة أولئك الذين كرهوا كف اليد عن الكفار وتمنوا القتال فلما كتب عليهم رغبوا عنه وهذا من آفة الاستعجال (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ) ).

إن أشد الناس حماسةً واندفاعاً وتهوراً قد يكونون هم أشد الناس جزعاً وانهياراً وهزيمة عندما يجد الأمر وتقع الواقعة بل إن هذه قد تكون القاعدة والحكمة وأن نتجنب الأفعال الهوجاء وردود الأفعال. فما أحرانا أن نتحلى بالصبر وأن نشتغل بالبناء للنفس والناس دعوة ودعاء وصلاة وعبادة وأمراً بمعروف ونهياً عن المنكر وتربيةً للنفس وتزكية لها لكي تكون قادرة على مواجهة الشدائد والفتن والمحن.

لوحة الأمة الجميلة نرسمها نحن بأيدينا ونصنعها بقلوبنا حينما نتخلق بالوعي ونستشعر عظم هذه النعمة وخطورة فقدها نضعها حينما نتعامل مع الواقع بميزان الشرع والعقل بعيداً عن الأهواء والعواطف والرغبات الشخصية.

نعمة الأمن نحفظها حينما نحفظ حدود الله (( احفظ الله يحفظك ) ).

نعمة الأمن نحفظها حينما نكف أيدي المنافقين وألسنتهم الذين يوقدون نار الفتنة ويلمزون المؤمنين ويشعلون فتيل القلاقل باستفزازاتهم لمشاعر الناس وتعرضهم لثوابت الأمة وشعائر دينها.

اللهم احفظ على الأمة أمنها وإيمانها ,,,

الحمد لله حمداً كثيراً ، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً ، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ ولداً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت