الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى بفعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه، وشكر ما أنعم به عليكم، فقد وعد بالعاقبة للمتقين، والمزيد للشاكرين.
عباد الله: من المعلوم لديكم أن المجتمع يتكون من الأسرة، والأسرة تتكون من الأفراد، كالبناء الذي يتكون من الأساس واللبنات، وبقدر قوة الأساس وقوة اللبنات وانتظامها يكون البناء صرحا شامخا، وحصنا راسخا، كذلك المجتمع الإنساني إنما يكون صالحا بصلاح الفرد والأسر التي يتكون منها، ولهذا شبه النبي - - المجتمع المسلم بالبنيان الذي يشد بعضه بعضا، وبالجسد الواحد الذي يتألم كله بتألم عضو من أعضائه، ولهذا عني الإسلام عناية تامة بتكوين الأسرة المسلمة، واستصلاحها، ولما كان تكوين الأسرة يبدأ من اتصال الذكر بالانثى عن طريق الزواج، أمر باختبار الزوج الصالح والزوجة الصالحة.
قال رسول الله -: (( إذا أتاكم من ترضون دينه وخُلُقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) )، رواه الترمذي وحسنه، وقد أمر النبي - - في هذا الحديث بتزويج من كان مَرْضِي الدين والخُلُقُ، وهذا يدل على أن من كان فاسد الدين سيئ الخلق لا يجوز تزويجه، ففيه حث على اختيار الأزواج، واعتبار المؤهلات الشرعية، وكثير من الأولياء لا يُعِير هذا الجانب اهتماما عند تزويج موليته، فلا يختار لها الرجل الذي أرشد إليه الرسول، وإنما يختار لها الرجل الذي يهواه هو، لو كان فاسدا في دينه، سيئا في خلقه، لا مصلحة للمرأة من الزواج به، فكم سمعنا مشاكل النساء اللاتي وقعن في سوء الاختيار، هذه تقول: أنها بليت بزوج لا يصلي وهذه تقول: إن زوجها يشرب المسكرات ويتعاطى المخدرات، وهذه تقول: أن زوجها أمرها بالسفور وإلقاء الحجاب، وهذه تقول: إن زوجها يستمتع بها في غير ما أحل الله، يجامعها في نهار رمضان، أو يجامعها وهي حائض، أو في غير المحل الذي أباح الله. وهذه تقول: إن زوجها لا يبيت عندها لأنه يسهر مع الفسقة، والمسؤول عن ذلك هو وليها الذي أساء الاختيار لها، وخان أمانته عليها، وهو المسؤول ايضا عن فسادها وفساد ذريتها بسبب هذا الزوج الذي غشها به.
وكما حث الإسلام على اختيار الأزواج الصالحين، حث كذلك على اخيار الزوجات الصالحات، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن رسول الله - - قال: (( الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة ) )، رواه مسلم، عن ابي سعيد الخدري - - قال: قال رسول الله -: (( تنكح المراة على احدى خصال: لجمالها ومالها، وخلقها ودينها، فعليك بذات الدين والخلق، تربت يمينك ) )رواه احمد باسناد صحيح وابن حبان في صحيحه، وعن أبي هريرة - - ان رسول الله - - قال: (( تنكح المراة لاربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها ولدينها؛فاظفر بذات الدين، تربت يداك ) )رواه البخاري ومسلم. ومعناه: الحث على اختيار الزوجة الصالحة دون نظر إلى الاعتبارات الاخرى من الحسب والمال والجمال مع الخلو من الدين، وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله -: (( لا تَزَوّجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، لكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل ) )رواه ابن ماجة، والخرماء: هي التي قطع شيء من أطرافها، والحديث يدل على ان الدين في المرأة يغطى ما فيها من العيوب، بخلاف المال والجمال إذا كانا بدون دين، فإنهما يجران إلى مفاسد. وأما إذا اجتمع في المرأة الدين والجمال وغيره من صفات الكمال، فذلك من تمام النعمة. ولكن كل نقص يمكن التغاضي عنه إلا نقص الدين.
ثم يأمر الإسلام بعد تمام الزواج بحسن العشرة بين الزوجين، ومن هنا ندرك اهتمام الاسلام باختيار الزوجين لأنهما ركيزة الأسرة وبصلاحهما تصلح الاسرة بإذن الله، واهتمامه ببقاء الزوجة الصالحة.
ثم بعد هذه المرحلة في تكوين الأسرة وهي مرحلة اختيار الزوجين، يهتم الاسلام بتربية الذرية الحاصلة بين هذين الزوجين، فيأمر الوالدين بتنشئة أولادهما على الصلاح والابتعاد عن الفساد يقول -: (( مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ) )ويأمر بالعدل بين الأولاد في العطية، ويمنع الوالد ان يعطي بعض أولاده ويحرم البعض الاخر؛ لأن هذا يُفضي إلى العدأوة بين الأولاد، ويجر إلى القطيعة، التي تفكك الأسرة وتهدم بناءها. عن النعمان بن بشير - - قال: تصدق عليّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله . فانطلق أبي إليه يشهده على صدقتي، فقال: رسول الله -: (( افعلت هذا بولدك كلهم ) )قال: لا. فقال: (( اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، فرجع ابي في تلك الصدقة ) )رواه مسلم.