فهرس الكتاب

الصفحة 5610 من 9994

#عام جديد بين آلام وآمال

إعداد رئيس التحرير جمال سعد حاتم

الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرِّف الأمور بأمره، ومستدرك العاصين بمكره، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:

يَهلُّ علينا بعد ساعات عام هجري جديد، وفي مستهل كل عام هجري، ومع إشراقة كُلِّ سنة: تبرزُ في تاريخنا الإسلامي المجيد أحداث عظام، ووقائع جسامٌ لها مكانتُها عند أهل الإسلام ولها أثرها البالغ في عز هذه الأمة ونصرها، وقوتها، وصلاح شريعتها لكُلِّ زمان ومكان.

نستقبل عامًا هجريًا جديدًا ونحن على طرف قنطرة توشك أن نعبرها لتستقِّر أقدامُنا على طرف قنطرة أخرى، فخطوةٌ نودع بها، وأخرى نستقبل بها، نقف بين قنطرتين مودعين ومستقبلين، مودعين موسمًا كاملا أودعنا فيه ما شاء الله أن نودع، فخزائن بعضنا ملأى بما هو له، وخزائن بعضنا ملأى بما هو عليه، ومن الناس من جمع ماله وما عليه.

إن تعاقب الشهور والأعوام على العبد، قد يكون نعمة له أو نقمة عليه، فطول العمر ليس نعمة بحد ذاته، فإذا طال عمر العبد ولم يعمره بالخير، فإنما هو يستكثر من حجج الله تعالى عليه.

أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله".

طول الحياة حميدة

إن راقب الرحمنَ عبدُه

وبضدها فالموت خير

والسعيد آتاه رشدُه

فليعتبر أولي الأبصار

نودع عامًا قد انقضى، ووقفة الوداع مثيرة للأشجان مهيجة للأحزان؛ إذ هي مصاحبةٌ للرحيل مؤذنة بانقضاء عام من عمر الزمان، تَقَلَّبَتْ فيه أحوال، وفنيت أعمار، ونزلت بالأمة فيه نوازلُ تُقضّ لها مضاجع أولي الألباب، وتهتزّ لها أفئدتهم، وتدمى منها قلوبهم، وإذا كان ذهاب الليالي والأيام ليس لدى الغافلين اللاهين غير مُضيّ يوم ومجيئ آخر، فإنه عند أولي الأبصار باعث حيٌ من بواعث الاعتبار، ومصدر متجدد من مصادر العظة والادِّكار، يُصِّور ذلك ويبينّه أبلغ بيان قول أبي الدرداء رضي الله عنه فيما رواه الحسن البصريّ رحمه الله عنه أنه قال:"يا ابن آدم، إنما أنت أيام فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك" {أخرجه البيهقي في الشعب 7-381}

ويُصوِّره أيضًا قول بعض السلف:"كيف يفرحُ بمرور الأعوام مَن يومُه يهدم شهره، وشَهْره يهدم سنته، وسنتُه تهدم عُمرُه؟! كيف يفرح من يقوده عُمره إلَى أجله، وحياته إلى موته".

{جامع العلوم والحكم ص383}

وإذا كنا نودعُ عامًا قد مضى فإن في وداع العام وقفة محاسبة للنفس، بالوقوف منها موقف التاجر الأريب من تجارته، ألم تروا إليه كيف يجعل لنفسه زمنًا معلومًا ينظر فيه إلى مَبلغَ ربحه وخسارته، باحثًا عن الأسباب، متأملا في الخطأ والصواب؟!

ويسلك المسلم الواعي هذا المسلك الرشيد ليربو في شرف مقاصده ونُبل غاياته وسمّو أهدافه على ذلك، لأنه سَعيٌ إلى الحفاظ على المكاسب الحقة التي لا تبور تجارتها، ولا يكسدُ سوقها، ولا تفنى أرباحها، من كنوز الأعمال وأرصدة الباقيات الصالحات التي جعل الله لها مكانًا عليّا ومقامًا كريمًا، وفضلها على ما سواه، فقال سبحانه: المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا

{الكهف:46} .

وقفة مراجعة وتأمل

ونحن نودعُ عامًا قد طُوي في عمر الزمان، على العاقل منا أن يقف مع نفسه وقفة محاسبة، وإن ارتباط المحاسبة والمراجعة بالتغيير نحو الأفضل والأكمل وثيق العرى وطيد الصِّلات إذ المراجعة والمحاسبة تظهران المرء على مواطن النقص ومواضع الخلل، ومكامن العلل، فإذا صح منه العزم، وصلحت النية واستبان الطريق وصدَّق ذلك العملُ جاء عون الله بمددٍ لا ينفد، فأورث حسن العاقبة وكريم الجزاء، قال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين {العنكبوت:69} .

وإذا كانت الأمة تودِّع عامًا منصرمًا، وتستقبل عامًا جديدًا فإن الحاجة إلى سلوك نهج المراجعة والمحاسبة ليس مختصًا بأفرادٍ أو بطائفة من دون الناس، بل إن الأمة المسلمة بمجموعها مفتقرة إليه، ولا غناء لها عنه، لكنها في حق الأمة مراجعة تتَّسع أبعادُها، ويعم نِطاقها، ويعظم نفعها، إذ هي نظرة شاملة للأحداث، وتأملٌ واع للنوازل، وتداركٍ للهفوات، وتدارس دقيق للعظات والعِبَر وسعي حثيث من بعد ذلك إلى تصحيح المسار، وإقامة العِوج لتذليل الطريق أمام استئناف الحياة الإسلامية القويمة المرتكزة على هدى الوحيين، المستضيئة بأنوار التنزيلين.

وصدق رب العزة سبحانه إذ يقول: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (18) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون

{الحشر:18-20}

إلى متى الغفلة يا عباد الله؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت