إن استقبال هذه الأمة لعام جديد من حياتها هو بِمَجَرَّدِهِ حدثٌ لا يستهان به، وإن بدا في أنظار الناس حدثًا هينًا يطُول أملهم، وقسوة قُلُوبهم فالأيام مَرَاحل ومطايا تُبعد من الدنيا، وتُدْنى من الآخرة، فكل يوم يُدْنى من القبور، وَيُبْعدُ عن عامر الدُور فإلى متى الغفلة؟! وماذا ران على القلوب، وماذا غشي البصائر والأبصار؟ إن الموفَّق مَن يسعى لصلاح حاله بحيث يكون غده أفضل من يومه، ويومُه خيرًا من أمْسِه، وعامه الجديد أفضل من عامه الماضي، والكيِّس من حاسب نفسه، وفتح صفحة جديدة من حياته، وتعَهَّد رصيدَهُ الأُخرويّ وتزود من العمل الصالح، وقدر لخطاهُ مواضعها خشية الانْزِلاق إلى مَهَاوى الفساد العقدي والفكريِّ والسُّلُوكيِّ.
نستقبل عامًا جديدًا وأمتنا حُبْلَى بالمشكلات، وثكلى بالفِتَن والمغريات، ضعف وفرقة وشتات، ذلة ومهانة وخلافات، وبنظرة فاحصة متأنية تجد أمة قد تكالب عليها الأعداء، فإلى أي حد امتدت أيدي أعداء الأمة ما بين غزو فكري ودمار وتخريب وقتل وتغريب، وسُحُب المحن تتطلب من أبناء الإسلام شحذًا للهمم وعودة لديننا الحنيف، فحدث الهجرة حدث جعله الله سبحانه طريقًا للنصر والعزة، ورفع راية الإسلام وتشييد دولته، وإقامة صرح حضارته.
إن في هذا الحدث العظيم من الدروس والعبر ما لو استلهمته أمة الإسلام اليوم وعملت على ضوئه وهي تعيش على مفرق الطرق، وتشعُّب السبل لتحقق لها عزها وقوتها ومكانتها.
وإذا كانت نهاية العام المنصرم حجًا وعمرة، وصيامًا ليوم عرفة في حق غير الحاج فإن فرص افتتاح العام الجديد أيضًا قائمة متاحة لمن هُدِي ووُفِّق وأُعين.
وإن من أظهر ذلك صيام شهر المحرم فإنه أفضل الصيام بعد رمضان كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" {صحيح مسلم كتاب الصيام} وكفى به أن يشتمل على يوم عاشوراء الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحتسب على الله أن يُكفِّر السَنَةَ التي قبلَه" {أخرجه مسلم في صحيحه} ، والسُنَّةُ أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده، فقد عزم صلى الله عليه وسلم على أن يصوم قَبْلَهُ يَوْمًا؛ مخالفة لأهل الكتاب.
تدخل سافر في شئون مصر
وإذا كنا نستقبل عامًا جديدًا ونطوي عامًا آخر ومازالت الضربات تتوالى من الأعداء، فبالأمس القريب قامت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت بزيارة إلى مصر، التقت خلالها بعدد من المثقفين والإعلاميين والسياسيين وبعض أصحاب المراكز المشبوهة وبحثت معهم الأوضاع السياسية في مصر وقضايا الإصلاح. وإذا كانت مهمة أولبرايت مهمة رسمية وبناءً على تكليف من ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي الذي أصدر بوش قرارًا بتوليه مسئولية تقييم الأوضاع الديمقراطية في مصر والسعودية والعراق باعتبار أن الدول الثلاث سيكون لها النصيب الأكبر في قيادة العالم العربي نحو الديمقراطية الزائفة وفقًا للمفهوم الأمريكي!! وقد أنشئ لهذا الغرض هيئة أمريكية جديدة تتبع البيت الأبيض مباشرة، وتلحق علنًا بمجلس الأمن القومي الأمريكي مهمتها الأساسية متابعة التطورات الديمقراطية في العالم العربي وتضم الهيئة 40 متخصصًا من كافة المراكز المعنية وستكون مهمتهم الأساسية إعداد البرامج والأطروحات والأفكار التي تفضي إلى نشر الديمقراطية طبقًا لحالة كل دولة على حدة، وبعد زيارتها لمصر وعدد من دول المنطقة أعدت أولبرايت تقريرًا مبدئيًا عن كل بلد قامت بزيارته.
وفي تقريرها الذي رفعته للإدارة الأمريكية انتقدت مادلين أولبرايت الأوضاع الديمقراطية في مصر ووصفتها بأنها ديمقراطية بيروقراطية. وانتقد تقرير أولبرايت المؤسسات التي تدعي مصر أنها ديمقراطية قائلة: إن المجلس القومي لحقوق الإنسان مازال ينقصه الكثير من حرية الحركة والإطار الواسع الذي يجعله قادرًا على أداء دوره في حماية حقوق الإنسان!!
وأشار التقرير إلى أن أعضاء مجلس الشعب هم أقرب إلى كونهم معينين من قبل الحكومة، وأنهم بعيدون عن الممارسة الديمقراطية وأن الحكومة تستطيع سحق أي معارضة في الانتخابات من خلال الإجراءات البوليسية وتكميم الأفواه!! والكثير مما اشتمل عليه التقرير مما يعد تدخلا سافرًا في شئون مصر والمصريين!!
أولبرايت ومشروع الدين الإسلامي الجديد