فهرس الكتاب

الصفحة 9107 من 9994

حياة مقسمة تقسيمًا محدودًا: صِبًى، فشبابا، فكهولة، فشيخوخة. فإذا جاء الأجل فلا مفر من الموت، وما فات من الزمن لا يعود؛ فالصبى إذا فات فات أبدًا، والشباب إذا مرّ مر أبدًا، والزمن المفقود لا يعود أبدًا.

وإذا أرجعنا البصر في تاريخ علماء الأمة الذين رفعوا للحكمة لواء وجدناهم يبخلون بأوقاتهم أن يصرفوا شيئا في غير درس أو بحث أو عمل صالح، فهذا ابن عقيل الحنبلي رحمه الله يختصر وقتَ أكِله، فيختار سفَّ الكعك وتحسّيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، ولهذا خلَّف رحمه الله آثارا عظيمةً ككتاب الفنون الذي قيل عنه: إنه بلغ ثمانمائة مجلدة.

فإذا كان الزمن بتلك المكانة والمنزلة فأجدر بالعاقل اغتنام وقته، والحذر الحذر من إضاعة الوقت بما لا ينفع أو بما يضر، حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99، 100] .

اللهم أعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم ثبتْنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...

تدمع عينك .. ويحزن قلبك .. وتتفطر نفسك .. حينما يأتي إليك رجل رث الهيئة .. تظهر عليه آثار الفاقة .. وتبرز عليه معالم الفقر من خلال قسمات وجهه .. ونحالة جسمه .. وبذاذة ثيابه .. ثم يطلب منك أن تستمع إلى شكواه قليلاً .. يتوسل إليك أن تصغي إلى قضيته .. فتستجيب له رغم كثرة الهموم وتكاثر الغموم ..خاصة أنه يغلب على ظنك أنك لا تستطيع مساعدته ..لكن الذي يعزينا أن حسن الإنصات قد يخفف من ألم أمثال هؤلاء .. يبدأ بالحديث معك عن مشوار حياته .. وفصول مأساته .. فإذا به يقول لك .. أحسن الله إليك: أنا موظف راتبي لا يتجاور ثلاثة آلاف ريال بل هو أقل وعندي زوجة وثمانية أولاد .. ولا يخفى عليك جشع أصحاب العقار فالأسعار نار .. وإن خرجنا فمن أين لنا الدار ؟! وقد كنت في الأيام الماضية أحلام بأحلام وردية ..فأسرح بخيالي الواسع ..فإذا أنا ببيت جميل ..أرى فرحة أم فلانة قطرت على قسمات وجها ..وأرى الأولاد يتراكضون في مسكننا الفسيح ..ويكادون يتطايرون فرحاً وطربا ..فعزمت أن أدخل في عالم الأسهم المالية ..لأحقق أمنياتي السعيدة ..ولكن وللأسف الشديد طارت الأحلام ..وذهبت الأمنيات ..وراحت الأحلام ..لقد كنت أطمح بتحسن أمورنا ونتوسع قليلا ..فإذا بالأسهم تنهار حتى أكلت ما حرمت منه صبية الصغار ..الذين كانوا يتضاوون جوعاً أمامي ..وبكاؤهم يصل إلى نياط قلبي ..وأحاول جاهدا إشغالهم باللعب والأمنيات السعيدة ..كنت أمنيهم أني سأردها لهم بإذن الله ولكن قدر الله وما شاء فعل .وفي كل إشراقة يوم جديد ..من أيام الدراسة أحمل هماً لا يعلمه إلا الله !! ماذا أعطي أولادي من فسحة دراسية ؟! وقد أصبحت المدارس يتنافس فيها الطلاب والطالبات فيما بينهم فالأبناء يتنافسون في أنواع الجوالات وصنوف السيارات ..وأما البنات فلا تسل عن كثرة الطلبات ..وأنا وقعت بين المطرقة والسندان ..هل ألبي طلبات الأولاد أم يكون مصيرهم الضياع في كل واد ،وقد يجرون إلى أخلاق مشينة ..وأفعال قبيحة بسبب الحاجة إلى المال !! ومشاكل الحياة ومصاعبها لا تنتهي عند حد ..فالأمراض في المدن قد كثرت ..فإذا أصيب أحد الأولاد بآفة ..وتعرض لوعكة .. ورأيته يتقطع أمام ناظريك آلما ..وصوت بكاءه يصل إلى شغاف القلب ..زاد من حسراتك وآلمك ..لأنك لا تملك مالا تستطيع من خلاله علاجه ..ولكن ماذا يا ترى نصنع ؟!! فأذهب مرغماً به إلى مركز صحي فقلما تخرج منه إلا وقد نهبت منك الأموال والتي قد تصل أحيانا إلى ثلث راتبك أو يزيد ؟ !ولا تسل يا شيخ عن ارتفاع أسعار المآكل والمشارب ..فبالله عليك كم يحتاج من عنده ثمانية أنفس من النفقات لسد جوعتهم في ظل ارتفاع الأسعار ونهب التجار ؟!! وقل مثل ذلك في الكساء وغيرها من حاجات الحياة اليومية ..كيف يمكن أن أعيش ؟! كيف يمكن لمثلي أن يعيش ؟! وقلت في نفسي .. من الأولى أن يوجه له هذا السؤال ؟! هل هو أنا وأمثالي من طلاب العلم أم أهل المسؤولية الذين هم أصحاب القرار ومن عندهم الصلاحيات وباستطاعتهم تنفيذ الطلبات وتصحيح الأوضاع وفعل المستطاع ؟!! نعم سؤال واقعي .. كيف يمكن أن يعيش ؟ سؤال ينبغي لأهل الحل والعقد أن يفكروا فيه كثيرا !! وأن يتأملوا فيه طويلا !!أليس هذا الرجل وأمثاله من البشر ؟! أليس له على هذا الوطن الذي يخدمه حق السكن والطعام واللباس له ولأسرته ؟! إن كنا نريد أن يكون الناس أمناء وألا يسرقوا أموال الدولة .. ولا يبتزوا أموال الناس .. فحري بنا أن نعف هؤلاء .. وأن نوفر لهم الأجواء المناسبة .. والحياة الكريمة في ظل اقتصاد عال وميزانية فائقة .

الدعوة إلى حب الأوطان بين الغُلاة والجُفاة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، أما بعد:

أيها النبلاء:

لقد أصبحنا نسمع كثيراً, ونقرأ كلام أناس يدعون في أطروحاتهم ولقاءاتهم إلى الوطنية، وأن المرء ينبغي أن يكون وطنياً؛ يدافع عن وطنه، ويحب ويألف كل من ينتمي إلى ذلك الوطن الذي يقطن فيه.

لقد صار الناس تجاه هذه القضية فرقاً، يتوزّعون بين طرفي نقيض ووسط.

فالبعض قد غلا في تصور وإدراك معنى (الوطنية) حتى صارت عنده هي المعيار الوحيد، الذي يؤلف ويُحب الناسُ من أجله، وطرفٌ آخر جفا في هذه القضية، وأصبح يعيب على المرء أن يكون محباً لوطنه، آلفاً لمجتمعه، موائماً لمن يعيش حوله.

وإزاء ذلك حاولت كتابة هذه الكلمات اليسيرة، والتي أسأل المولى الكريم أن ينفع بها كاتبها، وقارئها، إنه سميع مجيب.

إن حب الأوطان أمرٌ فطريّ جُبلَ الناسُ عليه، فكيف لا يألفون تلك الرياض التي نشأوا فيها؟! وتلك المرابع التي طالما رتعوا فيها؟!.

إنّ هذا بحد ذاته كفيل بغرس بذور محبة تلك البقعة، وري ثمار التلذّذ بتلك الأيام، ولا أدلّ على ذلك من أن أشد ما يمارس ضد المرء من عقوبة - وهي كفيلة بتأديبه - نفيه من أرضه التي نشأ فيها صغيرا، وقضى فيها شطراً ليس باليسير من حياته؛ لذلك فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة في بدء الوحي عندما ذهبت بالنبي - عليه السلام- خديجةُ إلى عمّها ورقة بن نوفل فقال له:"هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك."

قال: أو مخرجي هم؟!.

قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي"."

إنّ حب الأوطان إذا تعارض مع الدين، أو مع ما يصب في مصلحة الأمة العامة، أو دخلت الموالاة والمعاداة فيه، بمعنى أن يكون حب المرء وودّه منوط بمن يقبع في محيطه، أو وطنه الذي يعيش فيه، مع بغضه ومقته لمن يعيشون خارج بلده، وبمنأىً عنه، ولو كانوا مسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت