الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
إن نِعم الله علينا عظيمة .. أكرمنا بهذا الإيمان وأعزنا بالإسلام ، وجعل لنا نوراً من القرآن ، وجعل لنا بياناً من هدي الرسول العدنان - صلى الله عليه وسلم - . وإن ما يحتاجه المؤمن أن يعرف ثوابته ، وأن يرجع إلى قواعده ، وأن يبصر كل شيء يمر به في ضوء ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد .
إن بين أيدينا ما لا نضل به ولا نزيغ ولا نحتار معه ، ولا نشك ولا نضعف في وجوده ولا نجبن ، ويكون لنا منه كل أسباب القوة في الرأي وبيان الحق ، وفي عزيمة النفس وشجاعة القلب ، وفي ثبات الموقف وأصالة المواجهة .. ذلك يجعلنا نقف هذه الوقفات مع هذه الثوابت المهمة في حياة الأمة .
القاعدة الأولى: المرجعية الكلية
المرجعية الكلية الشاملة في كل شأن من الشؤون ، وفي كل خطب من الخطوب ، وفي كل حدث من الأحداث ، ليس لنا من مرجع إلا كتاب الله ، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإن هذه المرجعية المطلقة الشاملة المعصومة بإذن الله - عز وجل - وبرحمته وحكمته من كل تحريف وتغيير وتبديل .. المستمرة في صلاحيتها في كل زمان ومكان .. المتضمنة لحلول كل المشكلات ، وإجابة جميع التساؤلات ، وتفريج جميع الكربات بإذن الله - سبحانه وتعالى - نحتاج إلى أن ننتبه إلى هذه المرجعية ، فلا نحيد عنها ، ولا نبحث عن الهدى في غيرها ، ولا نرجع للبحث عن صحة الحق أو ثباته في شيءٍ سواها: { فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } .
وكما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي ) ، في كل الأزمان ، وسائر الأعصار والأماكن والظروف والأحوال ؛ لأن هذا هو النهج القويم الذي اختاره الله - عز وجل - للأمة الخاتمة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } . ورسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - وهو يعظ الموعظة التي رقّت منها القلوب ، ووجلت وذرفت منها الدموع وسُكبت ، يخبر ويوفي ويؤكد وينبّه: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ) .
فهل بعد هذه الوصية من وضوح وتأكيد وبيان وتنبيه إلى عدم مفارقة هذه المرجعية العظيمة ؟ إنها مرجعية حق لا ضلال معها .
يقول الحق - سبحانه وتعالى -: { والله يقضي بالحق والذين من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير } .
وقد بيّنت لنا آيات الله - عز وجل - ذلك بياناً واضحاً: { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال } .
وقد خوطب رسولنا - صلى الله عليه وسلم - والخطاب له ولأمته من بعده: { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } .
إنها مرجعية حق ، لا يمكن أن يكون الحق في غيرها بحال من الأحوال ، لماذا ؟ إنها شريعة الله .. إنها آيات الله .. إنها هدي الرسول الذي بعثه الله - عز وجل - .. { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } .. { أليس الله بأحسن الحاكمين } .. { فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين } .
تلك هي بعض صفاته التي تجعلنا نوقن بأن كل الهدى والخير والحق والنعمة والرحمة والحكمة فيما أتانا الله - عز وجل - من كتابه ، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ألا له الخلق والأمر - سبحانه وتعالى - .
وإذا تأملنا ؛ فإن كل شيءٍ يخرج بنا عن هذه الجادة .. إنما هو ضلال تضطرب به الأهواء .. تضطرب به الآراء ، وتموج فيه الأهواء ، ويكثر فيه الخصام ، وينعدم فيه الوئام ، كما أخبرنا الحق - سبحانه وتعالى -: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } .
فكل شيءٍ غير ذلك إنما هو انحراف ، كأن الأمة فيه - والعياذ بالله - قد تتصف بما اتصفت به الأمم المنحرفة من قبل ذلك مما أخبرنا الله به: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } .
القاعدة الثانية: أمر الكمال
كمال مطلق في هذه المرجعية لا نقص معه .. لا شيء يشذ عنه ، ولا أمر يخرج من دائرته شيئٌ يندّ عن قواعده الكلية ، ونصوصه الشاملة: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } .. {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء } .
لكل شيء نجد قاعدة وأصلاً ، وإشارة إلى القرآن من القرآن ، أو من السنة ، أو مما أجمعت عليه الأمة في قرونها الفاضلة ، مما يستنبئ من القرآن والسنة ، كما أخبر بذلك أهل العلم وبينوه . قال الشاطبي - يرحمه الله -:"لم يمت رسول الله - صلى الله عليه والسلام - حتى كمّل الدين بشهادة الله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم } ".