فهرس الكتاب

الصفحة 8609 من 9994

الفراغُ سلاحٌ خطير، يسبِّبُ تبلُّدَ الفكرِ, وضعفَ النفسِ, واستيلاءِ الأفكارِ الرَّديئةِ والوساوس, فحاربِ الفراغَ القاتلَ بالعملِ الجادِّ, بالعلمِ النافعِ والقراءةِ المفيدة, بالكسبِ والضربِ في الأرضِ وطلبِ الرزقِ, فمن الفراغِ تكونُ الصبوةُ والفساد.

أيُّها المسلمُون:

لا بدَّ للشبابِ من الزَّواج- فاتقوا الله فيهم- إنَّهم أمانةٌ عندكم, يُشاهِدُون من المناظرِ ما يُؤجِّجُ نيرانَ الشهوةِ في نفوسهم, فأعينُوهم على إعفافِ نفُوسِهم , هذا بمالهِ, وهذا بتخفيفِ المهرِ, وهذا بتأثيثِ بعضِ البيت, حتى يتحققَ لنا مجتمعاً مُحافظاً, وقد جاءَ في الحديثِ: (( ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونُهم- ومنهم - النَّاكح يريدُ العفافَ ) ), ولجنةُ الراغبين بالزواجِ قامت خلالَ سنواتٍ معدودةٍ بإعانةِ عددٍ من الشباب, وها هي الآنَ تطلبُ منكم مدَّ يَدِ العونِ لشبابٍ مُحبِّين للخيرِ راغبين فيه, هُم بأمسِّ الحاجةِ إلى الإعانةِ والمساعدة، حتى لو كانَ ذلكَ من الزكاة, فأعينُوهم بما تجودُ بهِ نفُوسكم, أخلفَ اللهُ عليكم ووفقنا وإيَّاكم إلى عملِ الصالحات .

أقولُ هذا القول وأستغفر الله ...

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين, وأشهدُ ألاَّ إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدهُ ورسوله, اللهمَّ صلِّ عليه وعلى آلهِ وصحبه.

أمَّا بعدُ: فأوصِيكُم ونفسي بتقوى اللهِ عزَّ وجل, فمن حققَ التقوى نالَ سعادةَ الآخرةِ والدنيا.

عبَادَ الله:

كلُّ يومٍ يعيشُهُ المؤمنُ غنيمةً يتزوَّدُ منهُ بعملٍ صالح, فالواجبُ علينا شباباً وشيوخاً, ذكوراً وإناثاً: ألاَّ تمضي أعمارنا سُدى, وأن نحذرَ مجالسَ الغفلةِ وأماكن الفتنة, إنَّ الشابَ لا يدري هل يُعَمَّرُ إلى المشيبِ ؟ فليحذرِ التسويف:

يُعَمِّرُ وَاحِدٌ فَيَغُرُّ قَوْمَاً وَيُنْسَى مَنْ يَمُوتُ مِنَ الشَّبَابِ

إنَّ الدنيا أيُّها الشيوخُ والشبابُ كما يقولُ عُمر بن عبد العزيز: (الدنيا ليست بدارِ قراركم , كتبَ اللهُ عليها الفناء, وكتبَ على أهلِها الارتحال , فكم من عامرٍ مُوثَّقٍ عن قليلٍ يخربُ, وكم من مُقيمٍ مغتبطٍ عمَّا قليلٍ يُظعنُ, فأحسنوا رحمكُم اللهُ منها الرحلةَ بأحسنِ ما بحضرتِكم من النِّقلة , وتزودُوا فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى

إِنَّا لَنَفَْرحُ بِالأيَّامِ نَقْطَعُهَا وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الأَجَلِ

فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ المَوْتِ مُجْتَهِدَاً فَإِنَّمَا الرِّبْحُ وَالخُسْرَانُ فِي العَمَلِ

يقول أبو سُليمانَ الدَّاراني: ( لو لم يبكِ العاقلُ فيما بقيَّ من عمرهِ إلاَّ على تفويتِ ما مضى منهُ في غيرِ الطاعة, لكانَ خليقاً أن يُحزِنهُ ذلك إلى الممات, فكيفَ من يستقبلُ ما بقيَّ من عُمرهِ بمثلِ ما مضى من جهلهِ) .

سألَ الفضيلُ بن عياض رجلاً فقالَ لهُ: كم عُمركَ ؟ فقال الرجلُ: ستونَ سنة. فقالَ لهُ الفضيلُ: فأنتَ منذُ ستينَ سنةٍ تسيرُ إلى ربكَ توشكُ أن تَصل، فقالَ الرجلُ: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون .

فقالَ الفضيلُ: أتعرفُ تفسيرَ ذلك- تقولُ إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعُون- فمن عرفَ أنَّهُ للهِ عبد، إليهِ راجعٌ فليعلم أنَّهُ موقوف, ومن علمَ أنَّهُ موقوفٌ فليعلم أنَّهُ مسؤول، فليعد للسؤالِ جواباً، فقالَ الرجلُ: ما الحيلةُ ؟ قال: يسيرةٌ . قال: ما هي ؟

قال: تُحسِنَ فيما بقيَّ يُغفر لك ما مضى, فإنَّكَ إن أسأتَ فيما بقي أُخذتَ بما مضى وما بقي .

وإنَّ امرأً سارَ ستينَ حجَّةً إلى منهلٍ من وردهِ لقريبُ

ألا فطوبى لمن طالَ عُمرُهُ وحسُنَ عمله, وويلٌ لمن طالَ عُمرُهُ وساءَ عمله, كِبَرُ السنِّ لا يمنعُ من اكتسابِ الفضائلِ والمسابقةِ إلى الأعمالِ الصالحة, فالشيبُ نورٌ ووقار, عن كعبِ بن مُرةَ t قال: قال رسولُ الله r: (( مَن شابَ شَيْبَةً في الإسْلامِ كانَت لَهُ نُورَاً يومَ القِيَامَة ) ). [صححه الألباني] .

يقول كبيرُ همَّةٍ مِن هَؤلاء:

مَا شَابَ عَزْمِي وَلا حَزْمِي وَلا خُلُقِي وَلا وَلائِي وَلا دِينِي وَلا كَرَمِي

وَإِنَّمَا طَالَ رَأْسِي غَيْر صبغَتِِه وَالشَّيْبُ فِي الرَّأْسِ غَيْرُ الشَّيْبِ فِي الهِمَمِ

قال البخاري في كتابِ العلم: ( وقد تعلَّم أصحابُ النبيِّ r في الكِبَرِ ) واجتهدَ أبو موسى الأشعري t اجتهاداً شديداً فقيلَ لهُ: لو أمسكتَ ورفقتَ بنفسك ؟ فقالَ: إنَّ الخيلَ إذا أُرسلت للسباقِ فقاربتِ الوصولَ أخرجت جميعَ ما عندها, والذي بقي من أجَلِي قليل .

وقال بلالُ بن سعد: عبادَ الله: اعلموا أنَّكُم تعملونَ في أيامٍ قِصَار لأيَّامٍ طِوَال, وفي دارِ زوالٍ لدارِ مُقام, وفي دارِ نَصَبٍ وحُزنٍ لدارِ نعيمٍ وخُلد.

لَعَمْرُكَ مَا الأيَّامُ إلاَّ مُعَارَةٌ فمَا اسْطَعْتَ عَنْ مَعْرُوفِهَا فَتَزَوَّدِ

فبادر وليكن لكَ نصيبٌ من قولِ عمرو بن قيس: [إذا بلغكَ شيءٌ من الخيرِ فاعمل بهِ ولو مرَّةً تَكُنْ من أهله.

قال سفيانُ الثوري: رأيتُ شيخاً كبيراً في السنِ في مسجدِ الكوفة يقول: أنا في هذا المسجدِ منذُ ثلاثينَ سنةً أنتظرُ الموتَ أن ينزلَ بي, ولو أتاني ما أمرتُهُ بشيءٍ ولا نهيتهُ عن شيء, ولا لي على أحدٍ شيءٌ ولا لأحدٍ عليَّ شيءٌ.

قال أبو بكرٍ الكتَّاني: كانَ رجلٌ يُحاسبُ نفسهُ, فحسبَ يوماً سِنِنهُ فوجدها ستين سنة, فحسبَ أيامَها فوجدها واحداً وعشرين ألفَ يومٍ وخمسمائةَ يوم، فصرخَ وخرَّ مغشيَّاً عليه, فلمَّا أفاقَ قال: يا ويلتاه أنا آتي ربي بواحدٍ وعشرين ألفَ ذنبٍ وخمسمائة ذنب ؟ هذا لو كان ذنبٌ واحدٌ في كل يوم، فكيف وبذنوبٍ لا تُحصى .

ألا فاتقوا الله عبادَ الله ، وأحسنوا وتزودوا بالعملِ الصالحِ قبلَ فواتِ الأعمارِ، وحلولِ الآجال, وفقنا اللهُ وإيَّاكم للعلمِ النافعِ والعمل الصالح .

الحمدُ لله الذي وعدَ المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالمغفرةِ والأجرِ العظيم، أحمدُهُ سُبحانه يختصُّ برحمتهِ من يشاءَ، واللهُ ذو الفضلِ العظيم، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له، لهُ ما في السمواتِ وما في الأرض وهو العليُّ العظيم، صلواتُ اللهِ وسلامهِ عليهِ وعلى آلهِ وأزواجهِ وأصحابهِ وأتباعهِ المُعظِمينَ لشعائرِ اللهِ وحُرماتهِ، أولئكَ لهم أجرٌ عظيم.

(أمَّا بعد) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) ) (سورة الأحزاب:71,70) .

معشرَ المؤمنين: إنَّ العملَ الصالحُ هو الذي يُزكِّي صاحبهُ، ويرفع لهُ ذكرهُ في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) ) (سورة فاطر:10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت