قال مُجاهدٌ- رحمه الله-: العملُ الصالحُ يرفعُ الكلمَ الطيب. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الكلمُ الطيبُ هو ذِكرُ اللهِ، والعملُ الصالحُ هو أداءُ فرائضَ اللهِ، فمن ذَكرَ الله ولم يُؤدِّ فرائضهُ ردَّ كلامه. وقال الفراء: معناهُ أنَّ العملَ الصالحُ يرفعُ الكلامُ الطيب، فاللهُ تعالى لا يتقبلُ الكلمَ الطيب إلاَّ إذا كانَ معهُ عملٌ صالح، ذكر ذلك ابن حجرٍ- رحمه الله- في فتحِ الباري ج 13 ص416.
إنَّ العملَ الصالحُ أيُّها المسلون يُد خلُ المؤمنينَ في عِدادِ الصالحين، قال تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ) ) (سورة العنكبوت:9) .
والإدخالُ في الصالحين هو متمنى الأنبياءَ- عليهم الصلاة والسلام- قال تعالى عن سليمانَ- عليه الصلاة والسلام-: (( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) ) (سورة النمل: 19)
وقال عن يوسفَ -عليه الصلاة والسلام-: (( أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) ) (سورة يوسف:101) .
فعلينا معشرَ المسلمينَ بالعملِ الصالحِ الخالص، سُئلَ سفيانَ الثوري- رحمه الله- ما العملُ الصالحُ، قال: ما لا تحبُ أن يحمُدكَ عليه أحد، ص415 المنتقى لابن عبد البر.
وقال بعضُ السلفِ: العملُ قرينٌ لا يُستطاعُ فراقه، فمن استطاعَ أن يكونَ قرينُهُ صالحاً فليعمل، فإنَّهُ لا يصحبهُ في آخرتهِ غير عمله. ص416 المنتقى لابن عبد البر.
وقال المُزنِي- رحمه الله-: رحمَ اللهُ من كان قوياً فأعملَ قُوّتهُ في طاعةِ الله، أو كانَ ضعيفاً فكفَّ عن معصيةِ الله . ص416 المنتقى لابن عبد البر.
قال حمَّادُ بن سلمة- رحمه الله-: ما أتينا سُليمان التيمي- رحمهُ الله- في ساعةٍ يُطاعُ اللهُ عز وجل فيها إلاَّ وجدناهُ مُطيعاً، فإن كانَ في ساعةِ صلاةٍ وجدنَاهُ مُصلياً، وإن لم تكن ساعةَ صلاةٍ وجدناهُ إمَّا متوضئاً أو عائداً مريضاً، أو مُشيعاً لجنازةٍ، أو قاعداً يُسبِحُ في المسجدِ، قال فكُنَّا نرى أنَّهُ لا يُحسنُ أن يعصي اللهُ عز وجل. ص297 ج3 صفة الصفوة لابن الجوزي.
قال تعالى: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) (سورة النور:55)
واللهُ تعالى هُو وليُّ الصالحين، قال تعالى: (( وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) )، ومن تولاهُ اللهُ فُهو الغالبُ واللهُ ناصرهُ، فنعمَ المَولى ونعمَ النصير، ومن تولاهُ اللهُ فهُو المحفوظُ في نفسهِ ومالهِ وولده، قال تعالى عن الغُلامينِ اليتيمين: (( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ) ) (سورة الكهف:82) .
فلقد حُفظ كنزُ اليتيمين بسببِ صلاحِ أبيهما وإن لم يُذكرا بصلاح. قال القرطبي- رحمه الله-: فيه ما يدلُ على أنَّ اللهَ تعالى يحفظُ الصالحُ في نفسهِ وفي ولدهِ وإن بعدوا عنهُ. ص38 ج11 القرطبي.
أيُّها المسلمون:
ولقد نوَّهَ النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- بشأنِ عبادِ اللهِ الصالحين، بأن يُسَلّم عليهم في كلِّ تشهدٍ أخيرٍ للصلاةِ، فعن شقيقٍ بن سلمةَ قال: قال عبدُ الله بن مسعودٍ- رضي الله عنه-: (( كُنَّا إذا صلينا خلفَ النبي- صلى الله عليه وسلم- قُلنا السلامُ على جبريلَ و ميكائيل، السلامُ على فلانٍ وفلان، فالتفتَ إلينا رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- فقال: إنَّ اللهَ هو السلامُ، فإذا صلى أحدُكم فليقل: التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين- فإنَّكم إذا قُلتمُوها أصابت كل عبدٍ للهِ صالحٍ في السماءِ والأرضِ، أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسوله ) )رواه البخاري ومسلم.
قال ابنُ حجر- رحمه الله-: الأشهرُ في تفسيرِ الصالحِ أنَّهُ القائمُ بما يجبُ عليهِ من حقوقِ اللهِ وحقوقِ عبادهِ، وتتفاوتُ درجاته. قال الترمذي الحكيم- رحمه الله-: من أرادَ أن يحظى بهذا السلامِ الذي يُسَلِّمُهُ الخلق فليكن عبداً صالحاً، وإلاَّ حُرم هذا الفضل العظيم. ج2 ص314 فتح الباري.
والعملُ الصالحُ يشملُ كلَّ عبادةٍ لله تعالى في الأقوالِ والأعمالِ، أعمالَ الجوارحِ وأعمالَ القلوب، وفي فعلِ الواجباتِ والمستحباتِ من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍ وعمرةٍ وجهادٍ ودعوةٍ إلى سبيل الله، ونهيٍ عن المنكر، وبرٍ بالوالدين، وصلةٍ للأرحام، وكلُّ نفعٍ خاصٍ أو عام.
أيُّها المسلمون:
ومن فضلِ اللهِ علينا أنَّ العبدَ إذا كان يعملُ الصالحاتِ ثم حصلَ لهُ عارضٌ منعهُ من العملِ الصالح، من غيرِ قصدِ التخلفِ عنه، أجرى اللهُ لهُ عملهُ على ما كانَ عليه قبلَ ذلكَ العارض، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعملُ مقيماً صحيحاً ) )رواهُ البخاري رحمه الله.
أيُّها المسلمون: إنَّ للعملِ الصالحِ ثمراتٌ في الدنيا والآخرة، من ذلكَ حصولَ الحياةِ الطيبةِ مع الجزاءِ الحسنِ في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ) (سورة النحل:97 ) ) .
والحياةُ الطيبةُ قيلَ هي الرزقُ الحلال ، وقيلَ القناعة ، وقيلَ التوفيقُ إلى الطاعاتِ، وقيل السعادة، ذكرَ ذلكَ القرطبي.
قال ابن السماك- رحمهُ الله-: قليلٌ من توفيقٍ أحبُّ إليَّ من كثيرٍ من عمل. ص416 المنتقى لابن عبد البر.
وقال ابنُ كثير: الحياةُ الطيبة تشملُ جميعَ أنواعِ النعمِ التي تنشرحُ بها الصدورُ في الدنيا والآخرة.
ومن ثمراتِ العملِ الصالحِ تكفيرُ السيئاتِ، قال تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) (سورة العنكبوت:7) .
ومن ذلكَ حُسنُ العاقبة، قال تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) ) (سورة الرعد:29) .
ومن ذلكَ التبشيرُ بدخولِ الجنة، قال تعالى: (( وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) ) (البقرة:25) .
ومن ذلك حصولُ الدرجاتِ العالية، قال تعالى: (( وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى ) ) (سورة طه:77.76) .