وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحديثِ القدسي: قال اللهُ عز وجل: (( أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر ) )واقرؤوا إن شئتم: (( فلا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرةِ أعين جزاءً بما كانوا يعملون ) )رواه البخاري ومسلم.
قال علي- رضي الله عنه-: [ إنَّ المؤمن إذا مات بكى عليه مُصلاهُ من الأرض، ومَصعد عملهِ من السماء] ، ثم قرأ: (( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ ) ).
أي فما بكت على الكفار بعد موتهم .
وقد سُئل ابن عباس - رضي الله عنهما- عن هذه الآية، (( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ ) )، هل تبكي السماءُ والأرضُ على أحد؟ فقال: نعم. إنَّهُ ليسَ أحدٌ من الخلائقِ إلاَّ له بابٌ في السماءِ ينزلُ منهُ رزقهُ، وبابٌ يصعدُ فيه عمله، فإذا مات المؤمنُ فأُغلق بابهُ من السماءِ فقدهُ فبكى عليه، وإذا فقده مُصلاهُ من الأرضِ التي كان يُصلي فيها ويذكرُ الله تعالى فيها بكت عليه، وإن قومَ فرعونَ لم يكن لهم في الأرضِ آثارٌ صالحة، ولم يكن يصعدُ إلى الله منهم خير، فلم تبكِ عليهم السماءَ والأرض . ص86 صعود الأقوال.
اللهمَّ اجعلنا من عبادكَ المؤمنينَ الذين يعملونَ الصالحاتِ وهُم مُحسنُون، ونعوذُ بكَ اللهمَّ من شرورِ أنفسنا، ومن سيئاتِ أعمالنا، ونسألُكَ العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة, أقولُ قولي هذا واستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ فاستغفروهُ إنَّهُ هُو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ الذي خلقَ الموتَ والحياةَ ليبلوكُم أيُّكم أحسنُ عملاً وهو العزيز الغفور، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له (( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ) (سورة الحديد:6) ، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسولهُ خيرُ من أحسنَ عملهُ للهِ وشكره، فهو محسنٌ شكور- صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه- الذين يُسارعُون في الخيرات، يرجونَ تجارةً لن تبور، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلم تسليماً كثيرا.
أمَّا بعد
فيا أيُّها المسلمونَ:
اتقوا الله تعالى واستقيموا إليهِ واستغفروهُ، وعليكم بالمسارعةِ إلى الخيراتِ، والمبادرةِ إلى العملِ الصالح، واحذروا التواني والكسل، الذي يصدُّ به الشيطانُ عن خيرِ العمل.
أيُّها المسلمون:
هُناكَ من الناسِ من يتهاونُ في العبادةِ ويُفرِّطُ في العملِ الصالحِ عُموماً، فيتكاسلُ في أدائهِ، ويُقصرُ فيه ويُضيِّعهُ أو يهملهُ ولا يعمله، فهُناكَ من الناسِ من ينامُ عن الصلاةِ المكتوبةِ أولاً يُؤدِّيها مع الجماعةِ في المساجدِ، أو يتركُ ذكرَ اللهِ ودعاءهِ واستغفارهِ، أو يُهملُ عيادةَ المرضى، وتشييعِ الجنائز، وزيارةَ ذوي القُربى، أولا يُبالي بتركِ المساهمةِ في أعمالِ البرِّ والخيرِ المُتعدي نفعها أو غيرُ ذلك.
أيُّها المسلمون:
إنَّ التفريطَ في الأعمالِ الصالحةِ دليلٌ على قسوةِ القلبِ، وضعفِ الإيمان. وهذا التفريطُ لهُ أسبابٌ أذكرُ منها شيئاً لنكونَ على حذرٍ منها: فمن ذلكَ - الوقوعُ في شيءٍ من المعاصي، إذ أنَّها سببٌ في منعِ الخيرِ والعملِ الصالح.
ومن ذلك كثرةُ الاشتغالِ بالأعمالِ الدنيوية، والاعتذارُ بزحمةِ الواجباتِ وضيقِ الأوقات، وعدمُ الفراغ. والحقيقةُ أنَّ الأوقاتِ والطاقاتِ والإمكاناتِ كلَّها مُلكٌ للهِ تعلى، وبيدهِ سُبحانهُ يُقدِرُها حسبَ حكمته، فالله تعالى حينما يرى من عبدهِ المؤمنُ إقبالاً عليهِ، ورغبةً في طاعتهِ، وحرصاً على الخيرِ، فإنَّ اللهَ تعالى يتفضلُ عليه بالبركةِ في الوقتِ، والسداد في الرأي وحصولِ المطلوب . قال تعالى: (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) ) (سورة الطلاق:3.2) .
أيُّها المسلم:
إنَّ لربكَ عليك حقاً، ولنفسكَ عليكَ حقاً، ولأهلكَ عليكَ حقاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍ حقه.
ومن أسبابِ إهمالِ العملِ الصالح إتباعُ الهوى، وعدمُ محاسبةَ النفسِ، قال النبيُّ- صلى الله عليه وسلم-: (( الكيّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله ) )رواهُ الترمذي رحمهُ الله .
وقال ميمون بن مهران: لا يكونُ العبدُ تقياً حتى يحاسبَ نفسهُ كما يحاسبَ شريكهُ من أين مطعمهُ وملبسه . جامع الترمذي ج4 ص638.
ومن أسبابِ إهمالِ العملِ الصالحِ نسيانُ الموت، وما بعدهُ من الأهوالِ، قال تعالى: (( مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ) ) (سورة يس: 60,59 ) .
قال عطاءُ بن يسار- رحمه الله-: إذا وُضِعَ الميتُ في لحدهِ، فأولُ شيءٍ يأتيهِ عمله، فيقولُ أنا عملُكَ، فيقولُ أينَ أهلي وولدي، وما خولني اللهُ، فيقول: تركتَ ذلكَ وراءَ ظهركَ فلم يدخل معكَ قبرك غيري، فيقولُ يا ليتني آثرتُكَ عليهم إذ لم يدخل معي غيرك، لأن كنتَ لأهونُ الثلاثة عليّّّّّّ.
تزود قريناً من فعالكَ إنَما قرينُ الفتى في القبرِ ما كان يفعلُ
وإن كنتَ مشغولاً بشيءٍ فلا تكن بغير الذي يرضى به الله تُشغلُ
فلن يصحب الإنسانُ من بعدِ موتهِ إلى قبره إلاَّ الذي كان يعملُ
ألا إنَّما الإنسانُ ضيفٌ لأهلهِ يقيمُ قليلاً عندهم ثُمَّ يرحلُ
قالت عائشة- رضي الله عنها-: (( كان رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- يصومُ حتى نقولُ لا يفطرُ، ويفطرُ حتى نقولُ لا يصومُ، فما رأيتُ رسولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- استكملَ صيامَ شهرٍ إلاَّ رمضان، وما رأيتهُ أكثر صيامٍ منهُ في شعبان ) )رواه البخاري ومسلم- عليهما رحمة الله-.
وفي روايةٍ للنسائي- رحمه الله-: ولما سُئل- صلى الله عليه وسلم- عن ذلك قال: (( ذاك شهرٌ يغفلُ الناسُ عنه بين رجبٍ ورمضان ) ).
وفي هذا دلالةٌ على استحبابِ أوقاتِ الغفلةِ وعمارتها بالطاعة، فبادروا أيُّها المسلمون بفعلِ الخيراتِ والإكثارِ من الأعمالِ الصالحات.
نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلنا من المُسارِعين في الخيرات، والمسابقينَ في عملِ الصالحات، وأن يُعيذنا من شرورِ أنفسنا، ومن عملِ السيئات.
اللهمَّ أحسن عاقبتنا في الأمورِ كُلَّها، وأجرنا من خزيِّ الدنيا وعذابِ الآخرة.
عباد الله:
إنَّ اللهَ وملائكتهُ يُصلون على النبيِّ، يا أيُّها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلموا تسليما.
اللهمَّ صلي وسلم على عبدكَ ورسولِكَ نبينا محمد، وارض اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعينَ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوكَ وإحسانكَ ورحمتكَ يا أرحم الراحمين .
اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ وانصرِ المسلمين، وأذلَّ الشركَ واخذلِ المشركين، اللهمَّ وانتقم من الكفرةِ والملحدينَ الذين يصُدُّون عن دينكَ ويكذّبون رسولكَ، ويُؤذُونَ عبادَك المؤمنين، اللهمَّ أيّد بنصركَ المبين عبادكَ المُجاهدينَ في سبيلكَ، اللهمَّ انصرهم على عدوِهم حتى يصبحوا ظاهرين.
اللهمَّ أصلح ولاة أُمرنا وولاةَ أمور المسلمين.