أن مما يشغل الناس أوقات فراغهم النظر في مواقع المعلومات المشهورة ، أو الصحف المنشورة ، و الناس صنفان صنف إيجابي الاطلاع ، ينظر بعين الناقد وروح الغيور فإذا رأى خيراً تواصل معه وشجعه وأثنى على أهله ، وإذا رأى زوراً أنبرى له يفنده ويرد عليه ويناصح كاتبه أو يحث من هو أقدر على مناقشته ومحاورته ، ليرتدع عن غيه ويكف عن باطله ، ومن الناس من هو سلبي الاطلاع لا تشبع عيناه من قراءة الصحف وهو مع ذلك لا يحق حقا ، ولا يبطل باطلا ، فهو كل على أمته ، فذلك إن لم يستطع أن يتحرك نحو الدفاع الحقيقية فلا أقل من أن يعرض عن اللغو ويكف عن قراءة سيئ الصحف ، ففي كفه عنها فضيلة الإعراض عن اللغو وتلك من شمائل المؤمنين ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص:55) وقال عزوجل (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون:3) بل فالقراءة السلبية لما يكتبه المبطلون قد تكون مرتبة من مراتب النفاق وخذلان الدين ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) (النساء:140) فكفك عن اقتناء تلك الصحف والمجلات والمواقع ، فيه حفظ لقلبك ودينك وإبقاء على مالك ، وفيه ردع لها ولأهلها الذين يتقوون بأموال المسلمين على النيل من دينهم ، أما القادرون من أهل الأقلام على المنافحة عن دين الله وأهله وعن الحق وقضاياها فإنهم غير معذورين بسكوتهم ، إنهم مطالبون بالذود عن العقيدة والأخلاق ، إنهم مطالبون أن يُبينوا للناس حقيقة الفرق بين حرية الفكر وجريمة الكفر ، وبين المناقشة والمشاقة لله ورسوله ، ولئن كتبوا باسم الله فليكون لأحرفهم نور وضياء ، فالذي يكتب لنصرة الرحمن ليس كمن يكتب لنصرة الشيطان والذي يكتب غيرة لله ورسوله r ليس كمن يكتب طلباً للشهرة وسعياً للظهور، والكاتب المحتسب ليس كاكاتب الأجير
لا يستوى قلم يباع ويشترى *** ويراعه بدم المحاجر تكتب
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار
أيَّها المسلمون:
في السنةِ السابعةِ من الهجرةِ النبويةِ الشريفة , توجه رسولُ الله r إلى جهة الشمال، قاصداً خبير، والتي استوطنها يهود، وأقاموا فيها حصوناً منيعة يصعبُ اختراقُها, خوفا من نكسةٍ جديدة, عقبَ نكساتِهم المتتابعةِ في بني النضيرِ وبني قريضة!
وقف الجيشُ الإسلامي الفذ, بقيادةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشارفِ خيبر, وفي نيتهِ فتحُ المدينة, وتطهيرُها من رجسِ الخنازير, والقضاءُ على آخر معقلٍ سياسيٍ لهم في الجزيرةِ العربية, وقد أوهم r يهود غطفان بأن الهجوم متجه إليهم, وأن جحافل المسلمين توشك أن تداهمهم.. أوهمهم بذلك لأنه سمع r بأنهم خرجوا ليظاهروا يهود خبير عليه, فلما سمعوا بمقدمه r رجعوا على أعقابهم , وأقاموا في أهليهم وأموالهم , وخلوا بين رسول الله وبين خيبر, وهكذا استطاع عليه الصلاة والسلام أن ينهي كل عدو على حده في مهارة عسكرية فذة..
وهكذا ينبغي للأمة أن تحذوا حذو نبيها r فهي بحاجة أن تكون على مستوى الأحداث, وتفقه كيف تواجه أعدائها, لا أن تكون فريسة بين أيديهم..
أيها المسلمون:
وفي ساعات الصباح الأولى, خرجَ اليهودُ إلى مزارعهِم وبساتينهمِ كعادتهمِ كلَّ يوم, ولم يدرْ بخلدِ واحدٍ منهم أنَّ يومَهم ذاك سيكونُ يوماً أسودا.
وكم كانت المفاجأةً, يوم رأى أولئك الفئران, أسودَ الله واقفةً على مشارفِ المدينة, تمتلئ قلوبهُم حنقا, وتتفجرُ دمائهم غضبا من بغضِ اليهودِ, وكراهيتهِم, تنتظرُ على أحرِّ من الجمر, إشارةً من رسول الله للانقضاضِ السريعِ, ودكِّ المدينةِ على أهلهاِ.
فصرخ صارخُ اليهود في قومهِ منذراً, صيحةَ يومٍ يقطرُ دماً, وأخذ يرددُ بأعلى صوته , مرعوباً مفزوعاً محمدٌ والله, محمد والخميس! ونزل هذا الخبرُ المخيفُ على يهود كالصاعقةِ المحرقة, التي تحولُ الأبيضَ سوادا، والأخضر َيبابا !
وشعرَ اليهودُ بخطورةِ موقفهمِ, وأنهم قابَ قوسين أو أدنى من الهلكة, فهمْ يدركون حقيقةَ الجيشِ الواقفِ على مقرُبةٍ من حصونهِم, وأبوابِ مدينتهمِ..
إنهم يدركون تماماً أنه جيشٌ يعشقُ الموتَ, في ساحات الوغى, كما يعشقون الحياة في أحضان البغايا!!
وكانوا يدركون أنه جيشُ لم يُصنع من أجلِ البطولاتِ الكلامية, أوالاستعراضاتِ المهرجانية, ولكنه جيشٌ صُنع لإعلاءِ كلمةِ الله, والذبِ عن حمى الإسلام, وحملِ الدينِ بقوة إلى البشريةِ الحائرة, والإنسانيةِ التائهة, في أوديةِ الضلالةِ والهوى!
وكانوا يدركون أنه جيشٌ لم يصنعْ ليبنيَ أمجادهَ فوقَ جماجمِ أبنائهِ, ولكنهُ جيشٌ أُعد لزحزحةِ الطواغيت من أمامِ المدِّ النورانيِ الخلاب, المبدد لظلامِ الوثنية, الضاربةِ بجذورها في الأرضِ عبرَ القرون!
وفرَّ اليهودُ إلى داخلِ حصونِ خيبر, تصطكُ ركبُهم وأسنانُهم من الرعبِ والهلع, وعبثاً حاولَ أولئكَ الفئران صنعَ شيءٍ ما يخلصهمُ من البلاء, فانتدبوا أشجعَ من عندهم من الرجال, فخرج متبخترا في مشيتهِ وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي مرحبُ شاكيِ السلاحِ بطلٌ مُجربُ!
في حين ظلَّ اليهودُ خلفَ حصونهم, ينظرونَ من طرفٍ خفي, ماذا عساه يصنعُ فارسهُم مرحبُ, فخرج إليه الأسد عليُ بنُ أبي طالبٍ, وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدرةْ كليثِ غاباتٍ كريه المنظرهْ