وفي لمحِ البصر, إذا برأسِ اليهودي الذي سمتهُ أمهُ مرحبُ, يتدحرجُ على الأرض, إثرِ ضربةٍ نجلاء من يد أسد مقدام, فلا مرحباً به ولا مرحباً بأمه, وبمقتلِ هذه اليهودي, انهارت معنوياتُ اليهود, وسقطَ خيارُ المقاومة, وفضل الفئران، البقاءَ في حصونِهم, حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا, ويضربُ رسولُ الله r حصاراً محكماً حولَ خيبر, ويحيطُ بها إحاطةَ السوارِ بالمعصم, ويأتي الخبرُ رسولَ الله r أن لليهودِ منفذاً تحت الأرض إلى عينٍ من الماء يشربونَ منها, مما يطيلُ ولابد أمدَ الحصار, فيرسلُ عليه الصلاة والسلام من يقطعُ إمداداتِ الماءِ عنهم, في خطوةٍ عسكريةٍ فذة, حتى إذا يبستْ عروقُهم, واحترقتْ أكبادُهم, خرجوا من جحورهمِ, في محاولةِ أخيرةِ لصدِّ جيشِ محمدٍ r, وثنيهِ عما عزمَ عليه من فتحِ المدينة , وطردهمِ منها!
فقاتلوا قتالاً شرساً, لا شجاعةً ولا بطولة, ولكنْ حسرةً على أموالهمِ وكنوزهمِ, التي كانوا يقدسونها أشدَّ التقديس, ويعبدونها أعظمَ العبادة ويفضلونَها على الأهلِ والولد, ومع ذلك، لم يصبر اليهود سوى سويعاتٍ قليلة, انهارت بعدها قواهُم ,وخارت عزائمهم, وأعلنوا الاستسلامَ التام, تحت وقعِ ضرباتِ سيوفٍ لا قبلَ لهم بها !
وما أسرع ما يستسلم اليهود, متى وجدوا رجالاً, لا يهابونَ الموت ولا يخشونَ الفناء, وما عرفنا اليهودَ يجيدون قتالاً, إلا حين تكون المواجهة مع أسودٍ من ورق, أو نمورٍ من خشب, يحسنونَ الكلام الفارغ, ويجيدونَ الصراخَ والعويل, فنسمع لهم جعجعة ولا نرى طحنا!!
أعلن اليهودُ استسلامَهم, وعرضوا على رسولِ الله r أن يحقنَ دماءَهم على أن يسلموه خيبرَ كاملةً, بمزارعها وكنوزِها..
إنها اللغةُ الوحيدة التي يفقُهها اليهود, لغةُ القوةِ والتحدي, فهيهات أن يتنازلوا عن مترٍ واحد, أو يتزحزحوا عن شبرٍ واحد إلا بالحربِ والمكيدة.
إنها النفسيةُ اليهوديةُ المريضة, المجبولةُ على العنادِ, والمكرِ, والمراوغة, والتي لا يمكنُ ترويضُها إلا بمطارق من حديد, وسياطٍ من لهب !
ويصدرُ أمرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بإيقافِ القتال, على أن يخرجَ اليهودُ من خيبر, ليس معهم إلا ثوباً على ظهرِ إنسان, ويتوعدُهم بقطعِ رقابهمِ, وسفكِ دماءهم, إن كتموه شيئا, وبمثل ذلكِ حطمَّ أسلافنُا اليهود وسقوهم من الذلِ كؤوسا, ولقنوهم من الهوانِ دروسا, يوم كانوا يتوكلون على الله حق توكله,ويطلبون المدد منه وحده..
وحازَ رسول الله r أموالَ خيبر, وحوا صلهَا, واستدعى جنودَ الإسلام يقسمُ بينهم أنصبتَهم من الغنيمة, وقسمَ لرجلٍ من الأعراب نصيبَه منها, فحملهُ الأعرابيُ وأتى به رسولَ الله r, وهو يقول ما هذا يا رسولَ الله ؟ فيقول له عليه الصلاة والسلام: (هذا قسمتهُ لك) , فيقولُ الأعرابي: يا رسول الله , ما على هذا اتبعتُك, ولكنْ اتبعتُك على أن أرمى من هاهنا بسهمٍ - وأشار إلى حلقهِ - فأدخلُ الجنة .
هكذا يعلنُ هذا الجندي، عن سر وجودهِ في ساحةِ القتال, إنه جنديٌ لم يخرجْ من بيته, أشراً وبطرا, ورئاء الناس..
ولم يخرجْ إلى المعركةِ خوفاً من الفصلِ والعقوبة ..
ولم يخرجْ إلى المعركةِ من أجل الترقية والوظيفة ..
ولم يخرج إلى المعركة ليُزين له صدرهُ بالتيجان, والأوسمة ..
ولم يخرجْ إلى المعركةِ دفاعاً عن قوميةِ منتنة, أو وطنية هابطة ..
ما لهذا اتبعتك يا رسول الله, ولكنْ اتبعتك على أن أُرمى بسهمٍ من هاهنا فأموتُ فأدخلُ الجنة .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم, واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,
أمَّا بعدُ:
أيها الموحدون: لقد كانت موقعةُ خيبر واحدةً من الوقائع التي حطمنا من خلالها النفسية اليهودية, وأذقناها مرارةَ الهريمة, وعلقمَ الحياة, يوم كنا أمةَ القرآن والسنة, نقرأُ قوله تعالى: (( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ) [محمد: 7] فتلتهبُ صدورُنا حماساً, وتمتلئ قلوبُنا يقيناً بموعودِ الله, فلا نخافُ يهود, ولا مَنْ وراء اليهود..
وكنّا نقرأُ قولَه تعالى: (( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) [المائدة: 23] فننفضُ أيدينا من أيدِي البشر والدولِ, والشعوب والأمم ، وتمتدُ أعناقنُا إلى فاطرِ السمواتِ والأرض, نستمطرُ النصرَ منه وحده دونَ غيره..
وكنا نقرأُ قولَه تعالى: (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل ) ) [لأنفال:60] .
فنصنع من الشباب أسوداً, ومن الفتيان فهودا، لا يعشقون من الألوان إلا الأحمر َالمتفجرَ من رقابِ الأعادي, ولا يجيدون من الصراخِ والضجيج, إلا صيحاتُ اللهُ أكبر، يا خيلَ اللهِ أركبي.
أما اليوم, فقد استأسد يهود, وانتكست الأوضاع رأساً على عقب, يوم نُحي الإسلامُ بعيداً بعيدا, واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير, فاحتل اليهود بلادنا, وظلوا طوال خمسينا عاماً يحتلون أرضنا شيئاً فشيئاً, ويوسعون مملكتَهم رويداً رويدا, وحين وثق اليهودُ بما لديهم من قوةٍ, واطمأنوا إلى ما يتميزون به من تفوقٍ, أصبحوا لا يترددون عن المجاهرة بمصادرة مزيدٍ من أراضي المسلمين في فلسطين, فما الذي يخشونه ؟ بعد أن أعلن المسلمون عجزهم عن مواصلة التحدي, ووقعوا على معاهدة الاستسلام, وأعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون !!
كيف تخشى إسرائيل من أناسٍ يقولون: إن الانتفاضة لا تحقق نصراً ولاتبني مجدا ! إن من يظن أن خلافنَا مع اليهود, هو حولَ قطعةٍ من الأرض, أو نهرٍ من الماء, فهو غبيٌ مغفل, لا يفقه شيئا من كتابِ الله, ويعاني أميةً فاضحةً, في قراءةِ التاريخ, وتتبعِ السنن..
إن خلافنا مع اليهود خلافٌ عقديٌ بالدرجة الأولى, ولن يلتقي الطرفان في وسطِ الطريق, ولن تكونَ هناك أنصافُ حلول.
فالحل الوحيد إما أن يسلَم اليهود, أو أن يتهودَ المسلمون, (( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم ) ) [البقرة: 120] .
إن اليهود يريدون كلَّ شيءٍ في مقابلِ لا شيء, يريدون مزيداً من الهيمنة, ومزيداً من السيطرة, ومزيداً من الأراضي, ومزيداً من الأنهار المسروقة, ومزيداً من الانفتاحِ الاقتصادي, وفتحِ الأسواقِ لمنتجاتهم, مقابلَ مزيدٍ من الإهانات, ومزيدِ من الركلات, ومزيدٍ من الصفعات!
إن ما أخذ بالقوة, لا يمكنُ أن يُستعادَ إلا بالقوة, وأما التباكي على عتباتِ مجلسِ الأمن , فهو حيلةُ البائسِ الضعيف, ورغم ذلك أبدعَ الطواغيت الكبار في إيهامِ المسلمين بشرعيةِ مجلسِ الأمن, وقداسةِ ما يصدرهُ من قرارات, استمع إلى القرار الذي أصدرته السلطة الفلسطينية, وهي تدعو إلى وئد الانتفاضة المباركة: (( إن تحقيق سلام الشجعان ـ وضع تحت كلمة الشجعان خطوطا ـ الذي يوفر السلام, والأمن والعدل لجميع شعوب المنطقة, يتطلب تأكيد الالتزام بالعمل, بقرارات الشرعية الدولية) ، أي شرعية تلك, وأي سلام مع نقضة العهود, والمواثيق!!
لقد أصبحت غايةُ المنى, مجردَ إدانةٍ لإهاناتِ يهود المتتابعة, ومع ذلك يحرمون منها, لتظلَ الإدانة: هي الحلمَ الذي يتمنونه, ويكافحون من أجله.