فهرس الكتاب

الصفحة 8505 من 9994

[1] ـ وهما المجمعُ الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة .

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) [آل عمران:102] . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) [النساء:1] . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) [الأحزاب:70-71] .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعد ،

أيها المسلمون:

إنَّ من علاماتِ ضعفِ الإيمان باللهِ واليومِ الآخر: الاستخفافَ بالذنوب والمعاصي، والمجاهرةَ بها، بل واستحلالَها أحياناً، واعتبارَها شيئاً مألوفاً وسائغاً ولمَّا ابتعدَ المسلمون عن دينهم، واستخفوا بشريعةِ ربهم، انحسرتْ بركةُ الإسلامِ عن ديارهِم، وسادت فيهم الأخلاقُ الدنيئة، والخصالُ السيئة، ومن أسوأ تلك الذنوب التي استمرأها كثيٌر من الناسِ وألفوها، وجاهروا بها، وهوَّنوا من شأنِها، عادةُ الكذب، ذلكَ الداءُ الوبيل الذي أصبحَ جزءاً لا يتجزأ من حياةِ الكثيرين، يمارسهُ كبارُ القومِ وصغارُهم، وشيبُهم و شبابُهم، ورجالهُم ونساؤُهم، وقد ينظرُ البعضُ للكذبِ بعينٍ واحدة و يحصرهُ في نطاقٍ ضيقٍ محدود، ولو أمعن النظرَ وأعاد التأمل، لعلم أنَّ الكذبَ أنواعٌ ودركا ت ، كـ (( ظُلُمَا تٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) )]النور: 40[ .

وأعظمُ الكذبِ و أخطرهُ الكذبُ على اللهِ جل جلاله الذي يقول: (( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) )]الأنعام:21 [ . ومن مظاهرِ الكذبِ على اللهِ سبحانه: القولُ عليه بغير علم كبعض الذينَ يتصدون للإفتاء وقضايا التحليلِ والتحريمِ، يدفعُهم الهوى، ويسندُهم الجهلُ والعمى، حتى أصبحتَ تسمعُ وترى غرائبَ وعجائب من فتاوى آخرِ الزمان، بداءً من تحليلِ الخمور، ومروراً بإباحةِ الربا، وانتهاءً بإعلان وحدة الأديان ومؤاخاة اليهود والنصارى، والبقيةُ تأتي والأيامُ حبلى بكلِ عجيبٍ، وفي أمثالِ هؤلاء الكذبة يقول سبحانه وتعالى: (( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) )] النحل:116[.

ومن الكذبِ على الله كذلك استحداثُ أحكامٍ وأنظمةٍ، وتشريعاتٍ جاهلية، ونسبتُها إلى شريعةِ الله، كالذين يدَّعون أنَّ الديمقراطيةَ من الإسلام، أو أنَّ الاشتراكيةَ من الإسلام، أو أنَّ الانحناء أمامَ اليهودِ والنصارى تحت أي مسمى هو من الإسلام، وفي أمثالِ هؤلاء يقولُ اللهُ تعالى: (( وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ) (آل عمران: 78) .

وقريبٌ من سابقه نسبةُ التقدميةِ الزائفة بخلاعتِها ومجونها، وانحلالِها وانحطاطها إلى دينِ الله، وأنَّ الإسلام لا يعارضُ هذا النوعَ من التقدمية، وفيهم يقولُ اللهُ سبحانه (( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) )] الأعراف:28[

ومن الكذبِ على اللهِ جلَّ جلاله تعطيلُ كتابهِ عن الحكمِ والتشريع، أو تحريفُ آياتهِ عن مفهومِها الصحيح، أو رميهُ بالنقصِ على طريقة الرافضة المفترين، أو وصمه بالعجزِ والقصور عن استيعاب ما يجدُّ في حياةِ الناس وأوضاعهم الاقتصادية والإجماعية، وغيرها .

ومن أخطر أنواع الكذب كذلك الكذبُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فعند البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمر t أنَّ النبيَ عليه الصلاة و السلام قال: (( ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) ) [1] وهو حديثٌ بلغَ حدَّ التواترِ والثبوت القطعي، ترتجفُ له القلوب الحية الموقنةِ بموعود الله ووعيده، ومن أمثلة هذا النوعِ البغيضِ من الكذب: نسبةُ الأحاديثِ المكذوبةِ الموضوعةِ إلى النبي عليه السلام، وما أكثر ذلك عند أصحابِ الأهواء والدجاجلةِ والمشعوذين، وأنصافِ المتعلمين، الذين زيَّن لهم الشيطانُ أعمالهم، وظنوا أنَّهم إلى ربهم لا يرجعون .

ومن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبةُ التقصير إليه في تبليغِ الرسالة، وأداءِ الأمانةِ التي وُكِّل بها، أو أنَّه كتمَ شيئاً من الوحيِ الإلهي، أو غيرها من الخزعبلاتِ والسخافاتِ التي يجاهرُ بها كلَّ زنديقٍ مارق .

ومن الكذبِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك: إقصاءُ سنتهِ عن الحياة، وعن الحكمِ والتشريع، وادعاءُ أنَّ القرآنَ يُغني عنها،أو يقومُ مقامَها .

ومن الكذبِ على رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- الغلوُ فيه، ورفعهُ فوقَ المنزلةِ التي أنزله اللهُ إيّاها، أو إدعاءُ أنَّه يعلمُ الغيبَ من غيرِ وحيٍ من الله، أو أنَّه يحضرُ مجالسَ الصوفيةِ ونحوهم من المشعوذين والمخرفين .

ومن الكذبِ على رسول الله الحلفُ به، أو الذبحُ له، أو الاستغاثةُ به من دونِ اللهِ الواحد القهار .

ومن أنواعِ الكذبِ الخطيرةِ كذلك الكذبُ على سلفِ هذه الأمة، من صحابةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ،والتابعين لهم بإحسان .

وعندما يذكرُ هذا النوعُ من الكذب يتبادرُ إلى الأذهان، روادُ هذا الفنِ وسادتهُ، وهم الروافضُ المجرمون الذين ما تركوا لفظاً بذيئاً من قاموسهم القذر إلاَّ وألصقوه بصحابةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، حتى وَصَلَ بهم الأمر إلى تكفيرِهم أجمعين إلا بضعةَ نفر قاتلهم الله أنَّى يؤفكون .

ومن الكذبِ على السلفِ كذلك نسبتُهم إلى التجسيمِ والتشبيهِ، أو أنَّهم يُفوِّضون معانَي الصفات، أو أنَّهم يُبغضونَ رسولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- ، ويهضمونه حقَّه المشروع، أو أنَّهم قصَّروا في نقلِ سنتهِ وتعاهدِ ملته، وحملِ رايتهِ، ونصرةِ دعوتِه، وحفظِ أمانته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت