أيها المؤمنون إن أعداء الله تعالى مهما بلغوا من القوة في المكر، والشدة في الكيد، والرصانة في التخطيط، لإطفاء نور الله تعالى وتعذيب وإبادة أولياءه وأحبابه فإنهم لن يغيروا سنن الله الثابتة ولا وعوده الجازمة بنصر أوليائه وأحبابه فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون والله تعالى من ورائهم محيط ومكرهم عند الله جل ذكره كما قال سبحانه: ?وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ? (7) ووعده الذي لا يخلفه هو ما ذكره في قوله: ?كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ? (8) فعلى أولياء الله تعالى في كل عصر ومصر أن يصبروا لاسيما في هذا الوقت العصيب الذي اشتد فيه أذى أعداء الملة من اليهود والنصارى والمشركين والمبتدعين والمنافقين من العلمانيين وغيرهم للإسلام وأهله، وعليهم أن ينتظروا الفرج من الله تعالى فإن المكر مهما أحكمت أساليبه، وتوالت خطوبه، واشتدت قوته فإنه لا يقوم لمكر الله تعالى وكيده كما قال جل ذكره عن أعدائه: ?وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ? (9) وكما قال: ?وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ? (10) .
أيها المؤمنون إن هذا الشهر ربيعاً الأول كان محلاً لأحداث كبار غيرت وجه التاريخ ففيه ولد الرسول صلى الله عليه وسلم على قول كثير من أهل العلم وفيه وصل المدينة مهاجراً وفيه توفي صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي من السماء وقد مضى السلف الصالحون الذين هم بالكتاب والسنة مستمسكون على عدم تخصيص هذا الشهر بشيء من الأعياد أو المناسبات أو الأفراح بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو هجرته ولا بشيء من المآتم أو الأحزان لموته وانقطاع الوحي من السماء بل مضوا رحمهم الله على عد هذا الشهر كغيره من الشهور، فلما ضعف إيمان الأمة بالله ورسوله ووهن استمساكها بهديه وسنته أحدث فئام من الجهال في المائة الرابعة من الهجرة أعياداً أو مناسبات فاتخذوا مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً يحتفلون به ويصنعون فيه الولائم ويتلقون التهاني وينشدون القصائد والمدائح الطافحة بالشرك والإطراء الذي نهى الله عنه ورسوله فخالفوا بهذه البدعة هدي الصحابة والتابعين الذين هم أعمق إيماناً وأرسخ علماً وأعظم حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً منا فاحذروا عباد الله البدع والمحدثات فإنها لا تزيدكم من الله إلا بعداً وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه يقول: (( فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ) ) (11) فاهجروا بارك الله فيكم البدع واستمسكوا بالسنن:
فخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
(1) الأنفال:30.
(2) أخرجه البخاري في المناقب ( رقم 3653 ) وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة ( رقم 2381 ) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
(3) التوبة:40.
(4) التحريم:4.
(5) الأنفال:30.
(6) التوبة:40.
(7) إبراهيم: 46-47.
(8) المجادلة:21.
(9) الرعد:13.
(10) النمل:50.
(11) أحمد في المسند ( رقم 13924 ) والنسائي في المجتبى (رقم 1578 ) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما .
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
الحمد لله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه حكم سبحانه بالموت على جميع الأنام فكل ذي روح لابد وأن يذوق طعم السام ?كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ? (1) وإن طال بها المقام أحمده سبحانه فقد قال: ?كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ? (2) .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالبقاء والكمال دون نقصان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد ولد آدم خير من صلى وصام بعثه الله بالهدى والفرقان.
أيها المؤمنون اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واشكروا الله تعالى على نعمه الكثيرة التي من أجلها وأعظمها بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإرساله إليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور فإن الله تعالى قد أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، أنعم به على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكوراً فإنه صلى الله عليه وسلم بلغ وأنذر وقام لله قومة لم يقمها أحد من الناس قبله ولن يقومها أحد بعده فمازال صلى الله عليه وسلم منذ قال له الله تعالى: ?قُمْ فَأَنْذِرْ? (3) قائماً بأمر الله يبلغ الرسالة ويؤدي الأمانة وينصح الأمة، فأتم الله به النعمة فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها وتألفت به القلوب بعد شتاتها وامتلأت به الدنيا نوراً وابتهاجاً ودخل الناس في دين الله أفواجاً. فلما أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على عباده المؤمنين استأثر به جل وعلا ونقله إلى الرفيق الأعلى والمحل الأسنى.
أيها المؤمنون إن حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها من أولها إلى آخر لحظة فيها من أعظم دلائل صدقه وعلامات نبوته فهي تقتضي تصديقه ضرورة وتشهد بأنه رسول الله حقاً.