شبه النبي من يأخذ الدنيا بغير حقها بالبهائم الراعية من خضراء الربيع، حتى تنتفخ بطونها من أكله، فإما أن يقتلها وإما أن يقارب قتلها، فكذلك من أخذ الدنيا من غير حقها وضعها في غير وجهها، إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه. وهو من مات على ذلك من غير توبة منه وإصلاح فيستحق النار بعمله.
قال تعالى: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [محمد:12] .
نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم
وتتعب فيما سوف تكره غبّه كذلك في الدنيا تعيش البهائم
أما استثناؤه من ذلك آكلة الخضر، فمراده بذلك مثل المقتصد الذي يأخذ من الدنيا بحقها مقدار حاجته، فإذا نفد واحتاج عاد إلى الأخذ منها قدر الحاجة، وآكلة الخضر دويبة تأكل من الخضر بقدر حاجتها إذا احتاجت إلى الأكل، ثم تصرفه فتستقبل عين الشمس، فتصرف بذلك ما في بطنها ،وتخرج منها ما يؤذيها من الفضلات.
فهذا مثل المؤمن المقتصد في الدنيا يأخذ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها قدر بلغته وحاجته، ويجتزي من متاعها بأدونه وأخشنه، ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلا إذا نفد ما عنده وخرجت فضلاته، فلا يوجب هذا الأخذ ضررا ولا مرضا ولا هلاكا، بل يكون ذلك بلاغا له يتبلغ به مدة حياته، ويعينه على التزود لآخرته، وفي هذا إشارة إلى مدح من أخذ من حلال الدنيا بقدر بلغته، وقنع بذلك كما قال: (( قد أفلح من هداه الله إلى الإسلام وكان عيشه كفافا فقنع به ) ) (6) [6] ).
خذ من الرزق ما كفى ومن العيش ما صفا
كل هذا سينقضي كسراج إذا انطفا
ثم قال: (( إن هذا المال خضرة حلوة ) )فأعاد مرة ثانية تحذيرا من الاغترار به، فخضرته بهجة منظره وحلاوته طيب طعمه، ولذلك تشتهيه النفوس وتسارع إلى طلبه، ولكن لو تفكرت في عواقبه لهربت منه.
الذي بشر أمته بفتح الدنيا عليهم حذرهم من الاغترار بزهرتها، وخوفهم من خضرتها وحلاوتها، وأخبرهم بخرابها وفنائها، وأن بين أيديهم دارا لا تنقطع خضرتها وحلاوتها، فمن وقف مع زهرة هذه العاجلة انقطع وهلك، ومن لم يقف معها وسار إلى تلك وصل ونجا.
أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل [التوبة:38] .
أرضيتم بخرابات البلى عن الفردوس الأعلى يا لها صفقة غبن.
أتقنع بخسائس الحشائش والرياض، معشبة بين يديك.
فالدنيا نابتة على مزبلة منتنة، يا دنيء الهمة قنعت بروضة على مزبلة، والملك يدعو إلى فردوسه الأعلى.
وقوله: (( من أخذه بحقه ووضعه في حقه، فنعم المؤنة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ) ).
قال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك فليس متاع غرور، ولكنه بلاغ إلى ما هو خير منه.
وقال بعضهم: كل ما أصبت من الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكل ما أصبت منها تريد به الآخرة فليس من الدنيا.
وقال أبو سليمان: الدنيا حجاب عن الله لأعدائه، ومطية موصلة إليه لأوليائه، فسبحان من جعل شيئا واحدا، سببا للاتصال به والانقطاع عنه.
والقسم الثاني: من يأخذ المال بغير حقه، فيأخذه من الوجوه المحرمة فلا يقنع منها بقليل ولا بكثير، ولا تشبع نفسه منه، ولهذا قال: (( كالذي يأكل ولا يشبع ) )وكان النبي يتعوذ من نفس لا تشبع.
ومثل طالب الدنيا كشارب ماء البحر، كلما زاد شربا منه زاد عطشا، حتى يقتله.
وقال: (( لو كان لابن آدم واديان من ذهب، لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ) ) (7) [7] ).
لو فكر الطامع في عاقبة الدنيا لقنع، ولو تذكر الجائع فضول مآلها لشبع .
هب أنك قد ملكت الأرض طرا ودان لك العباد فكان ماذا
أليس إذا مصيرك جوف قبر ويحثي الترب هذا ثم هذا
وقد ضرب الله في كتابه مثل الدنيا وخضرتها ونضرتها وبهجتها وسرعة تقلبها وزوالها وجعل مثلها كمثل نبات الأرض النابت من مطر السماء في تقلب أحواله ومآله قال تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً [الكهف:45] .
وقال تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لهم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون [يونس:24] .
فالدنيا وجميع ما فيها من الخضرة والبهجة والنضرة تتقلب أحوالها، وتتبدل ثم تصير حطاما يابسا، وأجسام بني آدم وسائر الحيوانات كنبات الأرض، تتقلب من حال إلى حال، ثم تجف وتصير ترابا.
قال تعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً [نوح:17-18] .
فينقلب ابن آدم من الشباب إلى الهرم، ومن الصحة إلى السقم، ومن الوجود إلى العدم.
قال ميمون بن مهران لجلسائه: يا معشر الشيوخ ما ينتظر بالزرع إذا أبيض؟
قالوا: الحصاد. فنظر إلى الشباب فقال إن الزرع قد تدركه الآفة قبل أن يستحصد.
عباد الله: قبيح بالشباب تأخير التوبة، وأقبح منها تأخير الشيخ لها، فإن الرجل إذا شاب فهو كالحامل التي قد أتمت شهور حملها تسعة أشهر لا تنتظر إلى الولادة.
اللهم ارزقنا توبة نصوحا. . .الخ.
الخطبة الثانية
لم ترد .
(1) رواه البخاري (11/244) الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ، بلفظ: (( إن أكثر ما أخاف عليكم ) )ورواه في الجمعة وفي الجهاد وفي الزكاة ، ومسلم (7/42،43) الزكاة: باب التحذير من الاغترار بالدنيا.
(2) رواه البخاري (11/243) الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا التنافس فيها ، ورواه مسلم (18/95) أول كتاب الزهد ، وهو في المسند (4/137) ، والترمذي وابن ماجة.
(3) مسلم (18/96) الزهد.
(4) البخاري (3/335) الزكاة: باب الاستعفاف عن المسألة وفي الوصايا وفي الجهاد وفي الرقاق ، ومسلم (7/126) الزكاة بيان أن اليد العليا من اليد السفلى.
(5) رواه مسلم (17/53) الرقاق: باب أكثر أهل الجنة الفقراء وهو عند الترمذي في جملة حديث طويل في الفتن ، ورواه كذلك ابن ماجة وعند النسائي (فما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) وهي كذلك عند مسلم والترمذي وابن ماجة.
(6) رواه مسلم (3/102) والترمذي (2/56) وأحمد (2/168) والبيهقي (4/196) وقال الترمذي حسن صحيح ورواه ابن ماجة (4138) عن ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ ولا بأس به في المتابعات - الصحيحة رقم 129.
(7) البخاري (11/253) الرقاق: باب ما يتقى من فتنة المال ، وقوله تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة ومسلم (7/138) الزكاة: كراهة الحرص على الدنيا ، ورواه أحمد (1/370) .
محمد بو سنه
عين النعجة
مبارك الميلي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-محبة الله للعبد. 2- مفهوم الزهد في الدين. 3- مفاهيم خاطئة للزهد. 4- الدين لا ينافي الحضارة. 5- حقيقة الدنيا. 7- أسباب محبة الله للعبد. 8- كيف يحبك الناس. 9- حب الناس نعمة من نعم الله إذا كان بحق.
الخطبة الأولى
وبعد فعن سهل بن سعد الساعدي قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال: (( ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ) ) [رواه ابن ماجة وغيره، والحديث صحيح] .