فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على نبينا محمد،وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
إن ثمة أمرٍ من الأمور؛ ما تغلغل في صدر إنسان إلا عاش حزيناً كئيباً وقد نهى الشارع الحكيم عنه وحذَّر منه أشدَّ التحذير؛ إنه التشاؤم أو التطير، فما هو ؟ وماحكمه واقسامه ؟..
التعريف:
التَطَيُّر في اللغة: التشاؤم، وهو توقع حصول الشر.
وسُمِّيَ التشاؤم تطيراً؛ لأنَّ العرب كانُوا في الجاهلية إذا خرج أحدُهم لأمرٍ قصد عش طائر فيهيجه، فإذا طار الطيرُ من جهة اليمين تيمن به ومضى في الأمر، ويسمون هذا الطائر في هذه الحالة: (السانح) . أما إذا طار جهة يسار الإنسان تشاءم به، ورجع عما عزم عليه، وكانوا يسمون الطير في هذه الحالة: (البارح) .
فجاء الإسلام فأبطل هذا الأمر ونهى عنه، وشدد في النكير على فاعله، ورد الأمور إلى سنن الله الثابتة وإلى قدرته المطلقة. وضد التطيّر: التفاؤل: وهو التَّيَمُّن بسماع كلمة طيبة، ويشمل كل قول أو فعل يُستَبْشَر به، والفرق بين التطير والتفاؤل أن الفأل يستعمل فيما يُستَحب، والتطير فيما يُكرَه غالباً.
ومثال التفاؤل: أن يسمع عند عزمه على فعل أمر كلمة طيبة أو اسماً حسناً أو يرى شيئاً طيباً.
وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم-: (يتفاءل ولا يتطير) (1) .
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج من بيته يحب أن يسمع: (يا راشد يا نجيح) (2) .
تاريخ التطيُّر وأمثلته:
كان التطيرُ موجوداً عند العرب على الصفة المذكورة آنفاً وصفات أخرى تقاربها. قال البيهقي:"كان التطير في الجاهلية في العرب إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة، وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب، وبمرور الظباء، فسمُّوا الكل تطيراً، قال: وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهباً إلى المعلم تشاءم، أو راجعاً تيمن، وكذا إذا رأى الجمل مُوقَراً حِملاً تشاءم، فإن رآه واضعاً حِمْلَهُ تيَّمن، ونحو ذلك، فجاء الشرع برفع ذلك كله) (3) . والتطير قديم الوجود في الأمم؛ فقد أخبرنا الله -سبحانه- أن فرعون وقومه تطيروا بموسى- عليه السلام-ومن معه: {فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (4) .وقبل ذلك تشاءم قوم صالح بصالح-عليه السلام- {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} (5) وكذلك أصحاب القرية تطيروا برسل الله إليهم: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} (6) .وكان الرد عليهم جميعاً: أن ما حل بهم من شر أو نقص في نفس أو مال، أو ما نزل بهم من عقوبة ما هو إلا من قِبَل أنفسهم بسبب كفرهم وعنادهم واستكبارهم، {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهِ} (7) وما زال الناس وإلى يومنا هذا يتطيرون، وتطيُّرهم دليل ضعف توكُّلهم على ربهم، ونقص عقولهم فأي شأن للطير أو غيره بمستقبل الإنسان وقدره؟!"
وللناس في التشاؤم أيام معينة أو ساعات محددة أو أعداد معينة مما لا ينقضي منه العجب. فالرافضة (يكرهون التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون عشرة حتى البناء لا يبنون على عشرة أعمدة،ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك؛لكونهم يبغضون خيار الصحابة، وهم العشرة المشهود لهم بالجنة) (8) .وكثير من الناس في الغرب يتشاءمون بالرقم ( 13) ؛ ولذا حذفته بعض شركات الطيران من ترقيم المقاعد كما حذفوه في ترقيم المصاعد والأدوار في العمائر الكبار. وآخرون يتشاءمون بنعيق البوم والغراب، ورؤية الأعور والأعرج والعليل والمعتوه. قال الشيخ ابن عثيمين (9) : (والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم فإنها تضيق عليه الدنيا، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم، حتى إنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج من بيته ثم قابله رجل ليس له إلا عين واحدة تشاءم، وقال: اليوم يوم سوء وأغلق دكانه، ولم يبع ولم يشتَرِ -والعياذ بالله- وكان بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء،ويقول: إنه يوم نحس وشؤم،ومنهم من يتشاءم بشهر شوال،ولاسيما في النكاح،وقد نقضت عائشة -رضي الله عنها- هذا التشاؤم بأنه-صلى الله عليه وسلم-عقد عليها في شوال؛وبنى بها في شوال،فكانت تقول: أيُّكن كانت أحظى عنده مني ؟) (10)
حكم التطير: