فسألتُ عنهُ، فقِيل لي، هذا رجلٌ من العربِ، من ربيعة، يعملُ الصوفَ في البادية، يُقالَ لهُ: جابرُ بن عامر، يُذكر بخير )) [19] .
وفي البدايةِ والنهاية: أنَّ الأعرابي قال للإمام أحمد:
(يا هذا إنَّك وافدُ الناس فلا تكن شؤماً عليهم، وإنَّك رأسُ الناسِ اليومَ فإيَّاك أن تُجيبهم إلى ما يدعُونكَ إليه فيجيبوا، فتحملَ أوزارهم يومَ القيامة، وإن كُنتَ تحبُ الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنَّهُ ما بينك وبين الجنَّةِ إلاَّ أن تُقتل) .
قال الإمامُ أحمد: وكان كلامهُ ممَّا قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناعِ عن ذلك الذي يدعونني إليه [20] .
وفي روايةٍ: أنَّ الإمامَ أحمد قال: (ما سمعتُ كلمةً منذُ وقعت في هذا الأمر، أقوى من كلمةِ أعرابيٍّ كلَّمني بها في رحبةِ طوق) . قال: ( يا أحمدُ: إن يقتلك الحقُّ مت شهيداً، وإن عشتَ، عشت حميداً، فقويَ قلبي) [21] .
ويقولُ الإمامُ أحمد عن مرافقةِ الشاب (محمد بن نوح) الذي صمدَ معه في الفتنة.
ما رأيتُ أحداً- على حداثةِ سنهِ، وقدرِ علمه- أقومُ بأمرِ الله من محمد بن نوح، إنِّي لأرجو أن يكون قد خُتم لهُ بخير.
قال لي ذات يوم: ( يا أبا عبد الله ، الله الله، إنَّك لست مثلي، أنت رجلٌ يُقتد ى بكَ، قد مدَّ الخلقُ أعناقهم إليك، لما يكونُ منك، فاتق الله، واثبت لأمرِ الله.
فمات وصليتُ عليه ودفنته . (سير أعلام النبلاء 11/242) .
وحتى أهلُ السجنِ الذين كان يُصلي بهمُ الإمامُ أحمد وهو مقيد، قد ساهموا في
تثبيته.
فقد قال الإمامُ أحمدُ مرةً في الحبس: ( لستُ أبالي بالحبس- ما هو ومنزلي إلاَّ واحد- ولا قتلاً بالسيف، وإنَّما أخافُ فتنةَ السوط) .
فسمعهُ بعضُ أهل الحبس فقال: (لا عليكَ يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان، ثُمَّ لا تدري أين يقعُ الباقي) .
فكأنَّهُ سري عنه [22] .
وهكذا يكونُ دورُ الأخيارِ في تثبيتِ المسلمين، فالزموا صحبتهم، واطلبوا نصحهم،
إخوةَ الإسلام:
ويبقى بعد ذلكَ عواملُ أُخرى للثباتِ على دين الله، منها الذكر، وتأمل كيف قرنَ اللهُ بين الذكر والثبات في آيةٍ واحدة، فقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) ( [23] ) .
ومنها عدمُ الاغترار بالباطل وكثرةُ المبطلين: (( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) ) ( [24] ) (( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ) ) [25]
ومنها استجماعُ الأخلاقِ المعروفةِ على الثبات، وفي مقدمتها الصبرُ والتقوى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) [26] . (( وَالْعَصْرِ * إن الإنسان * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) )
وفي الحديث الصحيح (( وما أعطى أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسعُ من الصبر ) ) [27]
[1] - الحديث رواه أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما (صحيح الجامع 5/264) .
[2] - البقرة ( 85) .
[3] - (الحديث رواه أحمد والحاكم والطبراني بأسانيد ورجال أحدهما ثقات( مجمع الزوائد 7/211) .
[4] - (الحديث رواه أحمد والحاكم والطبراني بأسانيد ورجال أحدهما ثقات( مجمع الزوائد 7/211) .
[5] - أخرجه الإمام مالك والحاكم بسند حسن، جامع الأصول 1/ 277
[6] - الحديث رواه أحمد الترمذي وأبو داود وابن ماجة بسند صحيح (جامع الأصول 1/279) .
[7] - الأحقاف / 13
[8] - فصلت 30/ 31
[9] تفسير ابن كثير 4/421
[10] - متفق عليه صحيح الجامع 1/107
[11] - متفق عليه صحيح الجامع 1/ 107
[12] - انظر رواياته في جامع الأصول 1/303 - 305
[13] - الحديث رواه الطبراني ورجاله ثقات، مجمع الزوائد 7/211
[14] - صحيح الجامع 4/36 حديث رقم 4677
[16] - صحيح الجامع 4/236 حديث رقم 4676
[17] - وسائل الثبات، ص25
[18] - سير أعلام النبلاء 11/238 .
[19] - المصدر السابق 11/241 .
[20] - البداية والنهاية 1/332 .
[21] - البداية والنهاية 1/ 332 .
[22] - سير أعلام النبلاء 11/ 241 .
[23] - الأنفال /45 .
[24] - آل عمران/ 196- 197 .
[25] - الرعد/ 17 .
[26] - آل عمران/ 200 .
[27] - رواه الجماعة (انظر: جامع الأصول 10/ 139) .
عبد الله بن صالح القصير
الرياض
جامع الأمير متعب
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-التذبذب من صفات المنافقين 2- الإمعة يتذبذب مع الناس 3- من داوم على شيء مات عليه وبعث عليه 4- نكبات المسلمين سببها ذنوبهم
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واشكروه ولا تعصوه، وراقبوه تعالى واحذروه، واعلموا أن من أعظم خصال المسلم الحق وأجلّ مميزاته - الثبات على دينه، والمحافظة على أخلاق نبيه محمد دون أي تذبذب فيه أو انحراف عنه لشبهة عارضة أو شهوة جامحة أو فتنة بين الناس شائعة، فإن التذبذب بين الحق والباطل وترك السنة الثابتة بعد التخلق بها ليس من شأن أهل الإيمان، بل هو من شأن ذوي النفاق والكفران، الموصوفين في محكم القرآن، بالتناقص يبن الأقوال والأعمال، والتقلب في المسلك في سائر الأحوال، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةَ ذالِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الحج:11] . وقال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يِقُولُ ءامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ الْعَالَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت:10،11] .
أما المؤمن الحق فإنه يكون مغتبطًا بإيمانه بالله، محققًا لعبوديته لله، متشرفًا بالانتساب لدينه، والاتباع لنبيه ، فيظل على الدوام معتدًا بإيمانه وعقيدته، معتزًا بشخصيته ورأيه، لا ينقاد لهوى باطل من قبل نفسه، ولا يتابع غيره على خطأ، ولا يرضى بأية خطوة لا تستمد من كتاب الله تعالى وهدي نبيه ؛ لعلمه أن للناس أهواء وغايات، وللبشر أخطاء ونزوات، وليس لذي لب سليم أن يتابع الناس على أخطائهم، أو يجاريهم على أهوائهم، بل لابد من طلب البينة على الدعوى، والحجة على المذهب، يقول تعالى: قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] . أي على صدق دعواكم أنه لن يدخل الجنة سواكم، ويقول سبحانه فيمن حرموا ما أحل الله: نَبّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأنعام:143] . أي فيما ذهبتم إليه وشرعتموه لأتباعكم من ضلال البشر أشباه الأنعام.