فهرس الكتاب

الصفحة 8135 من 9994

ومن صفاتهم اللمز والسخرية بالمؤمنين بالألفاظ والرسومات (( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (التوبة: 79) .

ومن صفاتهم موالاتهم الكافرين على حساب المؤمنين والإرتماء في أحضانهم بل وإنكار مبدأ الولاء والبراء بل ، إنهم ينكرون عقيدة الولاء والبراء ، ويصفونه بأنه من مبادئ الخوارج .. وجهل أو تجاهل هذا الدعي أن موضوع الولاء والبراء يحتل المرتبة الثانية من موضوعات القرآن بعد الأمر بالتوحيد والنهي عن ضده .

أيها المسلمون: ومن عرف دين الإسلام حقيقة بأصوله وأركانه ثم رأى وقرأ وتابع بعض ما ينشر ويعرض في كثير من وسائل الإعلام تبين له حقيقة هذه الفكرة الضالة ومناهج أهلها وشدة خطرهم على المسلمين.

فاتقوا اللَّه أيها المسلمون وتأملوا في ما تقرأون وما تسمعون وساهموا بأمر الدعوة إلى اللَّه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر جهدكم وإستطاعتكم وقد رزقكم اللَّه جهداً وإستطاعة.

أيها المسلمون: اشكروا نعمة اللَّه عليكم واحمد وه على ما أولاكم من النعم وحافظوا على الصلوات المكتوبات وأطيعوا ربكم في جميع الأوقات.

عباد الله اعلموا أن خير الكلام كلام الله .

[1] - العبودية لشيخ الإسلام إبن تيمية ، صفحة 19 ، وما بعدها .

الحمد لله أمر بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن الفحشاء والبغضاء، والتعاون على الإثم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يحب المحسنين، ويجزي المتصدقين، ويبغض الفاحش البذيء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صلي وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.

أخوة الإسلام: وإذا كان الخلاف أمراً واقعاً فما هي أبرز أسبابه وأسوأ آثاره؟ وأهم الطرق والوسائل لعلاجه؟

من أسباب الخلاف والافتراق تفاوت الناس في الطبائع والميول وتفاضلهم في العقول والفهوم، فسبحان من فاوت بين الناس في الحفظ وفي الاستنباط، والموفقُ من لم يُزَكِّ نفسه بل اتهمها حتى يُقلل مساحة الخلاف ويضيع الفرصة على الشيطان.

ومن أسباب الفُرقَةِ: الإعجابُ بالرأي الذي يحمل صاحبه على الغرور وتسفيه آراء الآخرين، وإيثارُ الهوى على الهدى الذي يمنع من قبول الحقِّ وإن كان واضحاً، وقد جاء النهيُ صريحاً عن العجب والهوى: (( ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحّاً مُطَاعاً، وَهَوىً مُتَّبَعاً وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ ) ) [1] .

ومن أسباب الفُرقَةِ: البغيُ والحسد، فقد يرى بعضُ الناس ما عنده أولى وأصوبُ من غيره، ويبلغ به الغرورُ بما عنده حدَّاً يزدري به ما عند غيرهِ، إما بنوع بغي أو حسد، ثم تقوده هذه المشاعرُ إلى احتقار الآخرين ولمزهم والتشكيك فيما عند غيره، ولو كان حقاً فات عليه التأملُ فيه بعين العدل والإنصاف، وإذا انتشر داءُ البغي والحسد ثارت رياحُ الفرقة، وسادت البغضاء، وحصل النفورُ والافتراق.

ومن أسباب الفُرقَةِ: شهوةُ الزعامة وحبُّ الصدارة بحيث يسعى صاحب هذا المرض إلى أن يكون متبوعاً لا تابعاً؛ وآمراً لا مأموراً؛ ويدعوه ذلك إلى رفض ما عند الآخرين وعدم تقبل وجهاتِ نظرهم وإن كانت صائبة، بل قد يُخيل لهذا المريض أنه وحده حامي حمى الإسلام، وإنه الأجدرُ بالقيادة والريادة دون سواه.

ومن أسباب الفُرقَةِ: سوءُ الظن بالآخرين وتغليب التشاؤم على التفاؤل فهو في الغالب يسيء الظن بالآخرين إلى حد لا يثق بأحد، ولا يُصوب عملاً، ويطغى عليه جانب التشاؤم بحيث يرى أن كلَّ عمل لم يعمله أو يشرف عليه مصيرهُ الفشل ونهايته الخسران، وهذا الداء يخفى وراءه أمراضاً وأدواء أخرى كالأثرة وحبِّ الذات، واتهام الآخرين، والرغبةِ في الوقيعة بأعراض المسلمين.

بينما عكس ذلك من حُسن الظن وحُسن الفألِ يعبر عن قلب سليم، ونفس كريمة تُحب للآخرين كما تُحب لنفسها، وتحاول تعليل الأخطاء وإيجاد المعاذير قبل إصدار الأحكام، ورحم الله عمرُ وهو القائل: (( لا تظن بكلمةٍ خرجت من أخيك المسلم سوءً وأنت تجد لها في الخير محملاً ) ) [2]

ومن أسباب الفُرقَةِ: الخلط بين الثوابت والمتغيرات وبين الأصول والفروع، فهناك ثوابت لا يجوز لأحدٍ أن يتهاون فيها أو يُفرِّط في الحفاظ عليها، وهناك أمورٌ وقضايا فرعيةٌ يسع الخلافُ فيها، ولا ينبغي أن تكون أساساً للمفاصلة أو سبباً للفرقة، وحين تختلط الأمور ولا يُميز بين هذه وتلك يقع الخلافُ لأدنى سبب ويظن هذا المختلف أنه يُحكِّم الشرع ويحمي حمى العقيدة وينسى أن ما أحدثه من شرخ الفرقة والخلاف أعظمُ بل نسي أن من مقاصد الشرع الاجتماع لا الافتراق والاتفاق لا الاختلاف، وبالتالي فلا ينبغي أن نوالي أو نعادي على أمرٍ من الدين فيه متسعٌ للحوار والنقاش، وفي المقابل لا ينبغي أن نضيعُ حرمات الدين وأصوله في سبيل جمع الكلمة ونبذ الفرقة والاختلاف على حساب الأصول والثوابت.

عباد الله: ولا تقف أسبابُ الفرقة والاختلاف عند هذه الأسباب فثمة أسبابٌ أخر.. ولكن الجامع لها ضعفُ الإيمان والتقى وتغليبُ الهوى على الهدى، وحبُّ الذات في مقابل سحق الآخرين، والجهلُ بأحكام الشريعة ومقاصد الإسلام، والعصبية الممقوتة للمذهب أو للطائفة أو للبلد أو الجنس، وإيثارُ الدنيا على الآخرة، وعدم الوعي بآثار الخلافِ وسلبياته.

إن للخلاف والفرقة آثاراً سلبية لابد أن يعيها المسلمون ويقدروها حتى لا يقعوا في الفرقة والشتات، ومنها:

* تصدَّعُ صف المسلمين وفشلُهم وذهابُ ريحهم، وما زال ربَّهم يحذرهم ويقول تعالى: (( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ) (سورة الأنفال:46) .

* وينتج عن ذلك أثرٌ سلبيٌ آخر وهو تسلطُ الأعداء عليهم، إذ لا يتمكن الأعداءُ من استباحة دماءِ المسلمين وإعراضهم واستحلال ديارهم وأموالهم إلا إذا وهنوا عن مقاومته وضعفوا عن مواجهته، ومن أعظم الوهن والضعف: الفرقة والشتات الناتج عن الاختلاف والافتراق، ومن يبصر واقع المسلمين اليوم يرى كم طمع فيهم الأعداءُ حين تفرقوا واختلفوا وسهل على العدو اختراقهم والعبث بمقدراتهم.

* والهلاكُ أثر ثالث من آثار التنازع والافتراق حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرنا بمصير الأمم قبلنا فقال: (( إنَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الفُرقة ) ) (رواه أحمد 1/178) .

وحين جاء عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه برجل قرأ آية من القرآن بغير ما سمعها هو من النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: (( كِلاكُمَ مُحْسِنٌ فاقرأ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ ) ) [3]

* ومن آثار الفرقة والشتات تبدد الطاقات وضياع جهود الأمة والمجتمع، وتناحر الأفراد على توافه الأمور في وقت يتجمع فيه الآخرون بل ويتخذون من فرقة المسلمين مصدراً لقوتهم، ومستنداً لغزوهم.

إن المسلمين مهما اختلفوا فثمة أمورٌ أكثرُ وأعظمُ يجتمعون عليها، وحري بهم أن يحييوا فقه الائتلاف بدل الاختلاف، وإن يعظموا ما اتفقوا عليه ويجعلوه الأساس، بدل أن ينطلقوا من الخلافات متناسين أهمية الوحدة وجمع الكلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت