وصدقَ ابن الجوزي حين قال: ( من لمح فجرُ الأجرِ هان عليه ظلامُ التكليف) ، فقدنا لذةَ العبادةِ حينما نسينا الموتَ وسكراتهِ، والقبرَ و ظُلماته، ويومَ القيامةِ وروعاته، وأعظمُ من ذلك كلِّهِ أننا فقدنا طعمَ الإيمانِ، وحلاوةَ الطاعةِ، حينما ضعُفَ حبُّ اللهِ و رسولهِ ودينهِ في قلوبنا، وأصبحت محبتُنا مجردَ ادعاءَاتٍ كاذبة، ومظاهرَ خادعةٍ ، أما حقيقةُ المحبةِ التي تُورثُ استسلاماً للهِ، وخضوعاً لأوامرهِ، فتلك غائبةٌ عن الأذهان .
أيُّها المسلمون:
إنَّهُ عندما تسمُو النفسُ بطاعةِ اللهِ ومحبتهِ، وتطهيرُ القلبِ من التعلقِ بالدنيا، ويتذوقُ حلاوةَ الإيمانِ، وتصبحُ المحبةُ الصادقةِ لله ورسولهِ هي الشغلُ الشاغلِ للعبدِ، فإنَّ ذلكَ يبعثُ في القلبِ حبَّ البذلِ والفداءِ والاستهانةِ بالحياةِ الدنيا وزينتها، رجاءَ ما عندَ اللهِ سُبحانهُ، والأجرَ العظيمِ، والفضلَ الكبيرِ، وتشوقاً لما أعدَّهُ لعبادهِ الصادقينَ في دارِ النعيم ، فالمؤمنُ يبذِلُ النفيسَ والنفس، وهي عزيزةٌ عندهُ لينالَ ما هو أعزُّ منها، وهو رضاءُ اللهِ سُبحانهُ وجنته، إنَّ الذين حصَّلوا حلاوةَ النعيم الإيماني، شغلهم هذا النعيمُ عن الأهلِ والأوطانِ والأموالِ، بل تراهم يبذِلونَ أنفسهم وأموالهم وأولادَهم في سبيلِ من أحبتهُ قُلوبهم ، وترى الواحدُ منهم يُغرسُ الرمحُ في صدرهِ وهو يقول: (( فزتُ وربِّ الكعبة ) )ويستطيلُ الآخرُ حياتهُ، فيلقي قوتهُ من يدهِ، ويُهرولُ إلى العدوِّ منشداً مستعجلاً الوصولَ إلى الجنة:
ركضاً إلى اللهِ بغيرِ زادِ ** إلاَّ التُقى وعملَ المعاد ** والصبرُ في اللهِ على الجهادِ
وترى الآخر يرى في موتِ أبنائِه في سبيلِ اللهِ شرفاً وعزاً، كما قالت الخنساءُ لما قُتل أبناؤها الأربعة: (( الحمدُ لله الذي شرفني بقتلهم ) )، وللخنساءِ في هذا الزمانِ وفي كلِّ زمانٍ أمثالٌ وأشباه 0
أيُّها المسلمون:
والآنَ هل أدركنَا السرُّ في أننا ندعُو فلا نجُاب، ونستغيثُ فلا نُغاث، ونستنصرُ فلا ننصر، وهل عرفنا سببَ قسوةِ قُلوبنا، وضعفِ إقبالنا على الله 0
إذا أدركنا حَالنا مع العباداتِ، وأيقنَّا بفقدنا لذةِ الطاعاتِ، وعلمنَا أسبابَ هذا الداء، فنبحثُ عن الدواءِ الذي نصلُ بهِ إلى حلاوةِ الإيمانِ، وننالُ بهُ لذةَ العبادةِ، ونشعرُ معهُ بالشوقِ إلى العباداتِ، والحنينِ إلى الطاعات. وما من داءٍ إلاَّ لهُ دواء، (( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) ) (سورة العنكبوت:69)
اللهمَّ حبَّب إلينا الإيمانَ وزينهُ في قلوبنا، وكره إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيان.
اللهمَّ أذقنا حلاوةَ طاعتكَ، ولذَّةَ عبادتكَ، وبر عفوكَ ومغفرتك .
صلوا وسلموا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
بهجت بن يحيى العمودي
الطائف
الأمير أحمد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-وجوب شكر نعم الله تعالى. 2- طاعة الله سبب السعادة في الدنيا ومعصيته سبب الشقاء. 3- كيف نحصل على لذة العبادة؟ 4- مظاهر لحرمان لذة الطاعة.
الخطبة الأولى
أيها الناس: اتقوا الله تعالى وراقبوه، واعملوا لإرضائه وأحبوه، فإن غضبه وسخطه إذا حلّ على أحد لم ينفعه أحد أو من ربه ينجيه.
إخوة الإسلام، إن العبادة هي الغاية التي من أجلها خلق الله العباد، وخلق لهم ما في الأرض كلها من شمس وقمر وتمر وزرع ونبات وثمار وجبال راسيات وسماء عاليات ذات سقف محفوظات، وسخر لهم البحر ليأكلوا منه لحمًا طريًا، ويستخرجوا منه حليةً يلبسونها، وذلل لهم الأرض تسهيلاً وتيسيرًا، وخلق لهم الدواب يأكلون منها لحمًا، ويشربون لبنها، ويتخذون من أوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين، وسخر لهم منها سرابيل تقيهم الحر وتقيهم البرد وتقيهم بأس بينهم، وخلق لهم من أنفسهم أزواجًا ليسكنوا إليها، ورزقهم من الذريات والطيبات ما يقرّ بهم أعينهم، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] .
كل هذا ـ أخي الحبيب ـ لك أنت فقط أيها المسلم، ولكن مقابل ذلك كله عليك أن تعبد الله حق عبادته، وتسر بطاعته، وتأنس بعبادته، وتتمنى القرب مما يرضيه عنك، فتزداد شوقًا إلى لقياه في الصلاة، وتطير فرحًا بسماع كلامه حالة قراءة القرآن، وتشرح صدرك بلذة مناجاته عند الدعاء وقيامك بين يديه في الأسحار، وتأنس بذكره لك عند ذكرك له في كل الأحوال.
فهل كل هذا نجده في نفوسنا إخوة الإيمان؟! سؤال محيّر في قلوبنا، والجواب: ليس بعد، لم نجده كلنا إلا من رحم الله ووفقه لطاعته، فما السبيل ـ إخوتي ـ إلى حصول اللذة بعبادة الله والأنس بها والشوق إليها؟
لقد ظن قوم أن السعادة في الغنى ورخاء العيش ووفرة النعيم ورفاهية الحياة، لكن البلاد التي ارتفع فيها مستوى المعيشة وتيسرت لأبنائها مطالب الحياة المادية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومركب وكماليات الحياة، إنها لا تزال تشكو تعاسة الحياة، وتحس بالضيق والانقباض، ولو بحثنا في حياتهم كيف يعيشون لوجدناهم عن الدين مُبعدين، وفي الشهوات والملذات غارقين، فأنى لهم ـ بربك ـ السعادة؟! بل هم بما اقترفت أيديهم يعذبون.
وأكبر شاهد على ذلك: انظر إلى بلد الحضارة والتقدم والمدنية أوربا، رغم التقدم العلمي والحضارة المزعومة إلا أنك تلاحظ عليها مظاهر التعاسة بادية على محياها، تفشي الانتحار، تفكك الأسر، تمرد الأبناء على الآباء، انتشار المخدرات والمسكرات، انتشار العهر والزنا، كثرة الضياع والقتل، والسبب في ذلك بُعدهم عن الدين وإلقائه خلفهم ظهريًا.
وهذا ما نخشاه اليوم ـ والله ـ على مجتمعنا، فقد تفشى بين كثير من المسلمين اليوم القلق والاكتئاب والكدر والأمراض النفسية والعصبية والأرق في النوم، والسبب هو البعد عن دين الله والتعلق بغير الله من هوى وشهوة عاجلة، والانسلاخ منه بالكلية عند البعض، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه الوابل الصيب:"الغموم والهموم والأحزان والضيق عقوبات عاجلة ونارٌ دنيوية وجهنم حاضرة، والإقبال على الله والإنابة إليه والرضا به واختلاء القلب من محبته واللهج بذكره والفرح والسرور بمعرفته ثواب عاجل وجنة وعيش لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة".
ونستخلص من كلام ابن القيم رحمه الله المذكور آنفًا أهمية الرجوع إلى الله تعالى، وبذلك نستشعر لذة العبادة، لذة الطاعة لله تعالى وحده، تُرى ـ أخي الحبيب ـ كيف هي هذه اللذة وما السبيل إليها؟
أولاً: لتعلم ـ أخي ـ أن أعظم منحة يمنحها الله لعبده منحة التلذذ بالعبادة، وهي راحة النفس وسعادة القلب وانشراح الصدر وسعة البال أثناء العبادة وعقب الانتهاء منها، وهذه اللذة تتفاوت من شخص إلى شخص حسب قوة الإيمان وضعفه، وتحصل هذه اللذة بحصول أسبابها، وتزول بزوال أسبابها، ويجدر بالمسلم أن يسعى جاهدًا إلى تحصيلها لينعم بالحياة السعيدة.