فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
أمر مهم وموضوع خطير ، نحن في أمس الحاجة إليه مع تعاون البلية ، وتفاقم الرزية وكثرة اختلافه والتنابز بالألقاب ، والتبعد والتجافي في الآراء والافتراق والانقطاع في الصفوف ، وغير ذلك مما نمر به ونشهده نسأل الله - سبحانه وتعالى - العصمة من الفتنة .. وأنه - جل وعلا - قد قدر الفتنة والابتلاء ، والفتنة ابتلاً وامتحاناً واختباراً ، ثم صارت تطلق على مكروه أو كل ما يؤول إليه من أمر من المكروه والسوء والشر والفساد ، ونسأل الله - عز وجل - السلامة .
وقد اقتضت سنة الله - سبحانه وتعالى - وقوع الفتن وجريان المحن ، وتمحيصاً للإمام ، وتجهيزاً للصفوف ، وابتلاءً يصدق به الصادقون ، ويظهر به الكاذبون ، ويختم به وينصرف حق المنافقون ، وقد قال سبحانه وتعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} .. {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} .
قال ابن كثير في تفسيره: هذا استفهام استنكار - أي هذا سؤال على صيغة الإنكار - ومعناها: أن الله - سبحانه وتعالى - يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان .
وقال السعدي رحمه الله:"سنته تعالى وعدته في الأولين ، وفي هذه الأمة أي يبتليهم بالسراء والضراء ، والعسر واليسر ، والمنشط والمكره ، والغنى والفقر وأذنت الأعداء عليه في بعض الأحيان ، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ، ونحو ذلك من الفتن التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة ، ومعارضة العقيدة ، وفتنة الشهوات المعارضة للإرادة أمن صدق وثبت فأولئك هم المؤمنين".
ثم بين الله - سبحانه وتعالى - عاقبة هذا الابتلاء ، فمن كان عنده ورود الشبهات لتأثر في قلبه شك وريبة عند اعتراض الشهوات تصرف إلى المعاصي أو تصرفه عن الواجبات دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه ، وقد نراه من تحيّر شكه في ثابت المقطوع به من دين الله بل من غيّره وبدله ، وصار مخالفاً واضحاً تماماً للمقصد الظاهري البيّن مما جاء في آيات الله ، وثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن الإيمان ليست كلمة تقال ، وإنما هو حقيقة ذات تكاليف وأمانة ، وذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر وجهد .. يحتاج إلى احتمال ، والفتنة هي أدلة على أصل الإيمان ، وهي سنة الله - جل وعلا - الجارية .
ونحن لا نشك أبداً أننا في زمن فتنة وأحداث عظيمة وجليلة ، لكننا عندما ننظر بنور الله ، وعندما نستهدي بهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنكشف لنا حقائق الأمور ، وتتبدل ظلمات الشبهات ، ونعزف بإذن الله - سبحانه وتعالى - عن إغراء الشهوات .
ولعلنا نصف واقعنا المعاصر ، وحالتنا الراهنة التي يتكالب فيها الأعداء ، وتفترق فيها الآراء .. ليس بوصف من عندنا ، وليس بقول من زماننا ، وإنما بما ذكره المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عند الشيخين من حديث أبي هريرة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما وصف به آخر الزمان ، قال عليه الصلاة والسلام: ( يتقارب الزمان ، ويقبض العلم ، وتظهر الفتن ، ويبقى الشح ، ويكثر الهرج ، قيل: وما الهرج يا رسول الله ؟ قال: القتل ) .
وهل ترون صورة أوضح وأدق في وصف أحوالنا اليوم في تقارب هذا الزمان واختصاره ، كما يطلقون عليه اليوم كقرية صغيرة ، وقبض العلم بموت العلماء ، وذهاب المخلصين الصادقين منهم إلا من رحم الله .
وما ظهور الفتن - أي كثرتها واشتهارها - كما ذكر الشرّاح: فتنة عظيمة ترقق التي قبلها ، وفتنة في شرق تنسى فتنة الغرب ، وفتنة في عقر دار وبعد فتنة في الديار ؛ حتى يرى الإنسان هذا الظهور والاشتهار ، والكثرة وراء الأعين ، لا يحتاج إلى بيان ولا إلى شرح ، ويلقى الشور أي يغرس في النفوس .
وكم نراه ظاهراً الهرج والقتل ، وما أدراك ما هو ! وكم أعداده ، وما هي أسلحته الفتاكة ، وما هي الجرائم القوة العظمى التي تتولى كبره وتناء وتحمله عقبة وإثمه.
ثم كذلك تنظر إلى ما بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة توضحه أكثر كما ورد في الصحيحين عند البخاري ومسلم أيضاً من حديث ابن زيد - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أشرَفَ على أضمٍ من الأضامي - أي مرتع من المرتفعات - فقال لأصحابه: هل ترون ما أرى ؟ قالوا: لا يا رسول الله ، قال: ( إني أرى الفتن خلال بيوتكم كوقع المطر ) .
أليس قطر المطر يصيب كل شيء ؟ فكل قطعة من الأراضي ، وكل مكان من الأمكنة ، وذلك بكثرة شيوعه ، وعموم البلوى ، بمثل هذه الفتن .