فهرس الكتاب

الصفحة 7861 من 9994

أما أعداء الأمة ـ أيها الإخوة ـ فإنهم مخذولون مهزومون، وخبر الله فيهم لا يتخلف: { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } [آل عمران:111] ، إنه ضر لا يؤدي إلى هدم كيان الأمة ولا إلى اضمحلالها، إنَّه ضمان قرآني حق، وخبَر إلهي صدق: { وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ } [آل عمران:111] ، إنَّها بشارات كريمة مشروطة بمحافظة الأمَّة على دينِها: { تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } [آل عمران:110] . فهل يهتدي المسلمون إلى العروة الوثقى ويعرفون كيف المُعْتَصَم؟! هل يهجرون السَّنَن ويتبعون السُّنَن؟! هل يرجعون عن اتباع السُّبُل ويتبعون السبيل؟! إن الأمل ما زال فيهم كبيرًا، وإن المسؤولية عليهم لعظيمة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [النور:55-57] .

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.

الخطبة الثانية

أما بعد: فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ وأطيعوه، وراقبوا أمره ونهيه ولا تعصوه، واعلموا أنه لا أحسن دينًا ولا أشد تمسّكًا ولا أكمل إيمانًا ولا أتم يقينًا ممن أسلم وجهه لله وسلّم لأوامره ونواهيه، إذا قضى الله ورسوله أمرًا لم يتردد في تنفيذه وتطبيقه، وإذا بلغه نهي أو تحريم لم يتأخر عن اجتنابه والبعد عنه، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } [النساء:125] ، {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [لقمان:22] .

ألا فاتقوا الله جميعًا ـ أيها المؤمنون ـ لعلكم تفلحون، وسلموا لأوامر الله واجتنبوا نواهيه، ولا تقولوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فإن الدين كلٌّ لا يتجزّأ، ووحدة لا تتفرّق ليس ترك شيء من أوامره أو الوقوع في آخر من مناهيه هيّنًا ويسيرًا.

أيها المسلمون: إنَّكم في يوم عظيم سمَّاه الله يوم الحج الأكبَر، تتلوه أيام معدودات عظيمة، فعظموها بطَاعة الله وذكره، وأكثروا من حمدِه وشكرِه، {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } [الحج:32] ، {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج:30] . ضحّوا وطيبوا نفسًا بضحاياكم، واذكروا الله على ما رزقكم وأن هداكم، فإنه ما عُبِد الله في يوم النحر بمثل إراقة دم الأضاحي، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، واعلموا أن الذبح ممتد إلى غروب الشمس من ثالث أيام التشريق، وأنه يشرع في هذه الأيام التكبير المقيد في أدبار الصلوات المكتوبة، فكبّروا وارفعوا به أصواتكم، وأحيوا سنة نبيكم نَضَّرَ الله وجوهكم، وصلوا وسلموا على خير الورى وأفضل من وطئ الثرى...

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.

اللهم لك الحمد إذ بلغتنا هذه الأيام الفضيلة، اللهم وكما بلغتنا فأعنا على استثمارها بعمل الطاعات، وتقبل منا ومن إخواننا المسلمين سائر الطاعات، وكفر عنا السيئات، وارفع لنا الدرجات.

اتقوا الله وعظموا أمره أيها المسلمون، وأنتم في أيام يذكر فيها اسم الله، وتعظم شعائره، ويفد الحجيج إلى بيته ابتغاء مرضاته.

أيها المسلمون! كم نضيع من الأوقات هدراً، وسيندم كل مفرط غداً، وإذا كنا قد فرطنا فيما مضى، فهاهي فرصة سانحة تتاح لنا، ويعظم الله فيها الأجور لنا، فهل من سابق للخيرات، والله تعالى يقول: (( فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ ) ) ( [2] ) .

ودونكم هذا الحديث في فضل عشر ذي الحجة فاعقلوه، أخرج الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فذكرت له الأعمال فقال: (ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشر) ، قالوا: يا رسول الله: الجهاد في سبيل الله؟ فأكبروه، فقال: (ولا الجهاد، إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله في سبيل الله ثم تكون مهجة نفسه فيه) ( [3] ) .

يا أخا الإسلام! قف، وسائل نفسك: ماذا قدمت لآخرتك في هذه الأيام الفاضلة، وبماذا خصصتها؟ وهل أيام الدهر عندك سواء؟ هل صمت أو تنوي الصيام فيها؟ هل تصدقت؟ هل وصلت؟ هل أكثرت من ذكر الله؟ وتلاوة كتابه؟ هل ابتهلت إلى الله بالدعاء؟ وإني سائلك ونفسي، فاستحضر السؤال، وفكر في الجواب؟

أما السؤال فمهم وهو يقول: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار، ويتخلف العمل، وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غداً إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت ساهيلاً غافلاً؟

قال ابن القيم رحمه الله: هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر هذا الخلق، فاجتماع هذين الأمرين (يعني التصديق بالمعاد، وعدم الاستعداد له) من أعجب الأشياء، ثم حدد يرحمه الله أسباب ذلك بعدة أمور، فافهموها، وحاولوا الخلاص منها، قال:

أحدها: ضعف العلم ونقصان اليقين، فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره، وغيبته عن القلب في كثير من أوقاته وأكثرها لاشتغاله بما يضاده، وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعد، وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجلة، ورخص التأويل، وإلف العوائد، فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ولهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال، حتى ينتهي إلى أدنى مثقال ذرة في القلب) ( [4] ) .

أيها المسلمون ومع عظمة هذه الأيام فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة وحثها على كثرة الذكر والتسبيح والتهليل في هذه العشر فقال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) ( [5] ) .

ومن الصفات المشروعة في التكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد) ( [6] ) .

قال في سبل السلام: وفي الشرع صفات كثيرة واستحسانات عن عدد من الأئمة، وهو يدل على التوسعة في الأمر، وإطلاق الآية يقتضي ذلك) يعني قوله تعالى: (( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ) ) ( [7] ) ( [8] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت