بقلم: محمد نعمان الدين الندوي
"ساعات الأسحار"هي الساعات التي يحث فيها الله تبارك وتعالى عبادة المؤمنين على مد يد السؤال، والتوبة إليه واستغفاره، فيقول:"ألا هل من مستغفر فأغفر له، ألا هل من سائل فأعطيه...".
"سهام الأسحار"هو سلاح لا يزال قابلا للاستعمال، وهو بمتناول يد كل مسلم، ولا تستطيع أي قوة في الأرض أن تحظر استعماله، وهو سلاح قديم جديد مضمون الإصابة إلى الهدف! سلاح لم يصدأ، ولم يتعطل تأثيره، ولم تضعف أهميته رغم تقدم التكنولوجيا العسكرية المذهل، واختراع الأسلحة الفتاكة، بل إن"سهام الأسحار"هذه هي السلاح الحقيقي للمظلومين العزل - بدون أي تقليل أو إضعاف من أهمية السلاح المادي المأمور بعنايته وإعداده في القرآن الكريم نفسه - ويبدو أن المضطهدين المعذبين من أبناء الإسلام عادوا لا يعيرون هذا"السلاح السحري السماوي"عناية وانتباهاً، ولا يلتفتون إليه التفاتا، فليجربوا هذا السلاح المشهود بفاعليته ونجاحه الأكيد منذ أن عرف الإنسان السلاح، فليستغفروا الله تعالى في أوقات الأسحار، ويفيضوا عبرات الاستغفار والندم، ويسألوه تعالى النصر والغلبة على الأعداء الظلمة.
والحقيقة أن المسلمين ما حققوا الانتصارات الباهرة والفتوح العظيمة في الماضي بالسلاح المادي، وإنما أحرزوها -قبل كل شيء- بفضل إيمانهم العجيب بوعد الله ونصره، وورعهم وتقواهم، وبعدهم عن المعاصي كل البعد، فهذا عمر بن الخطاب بعث إلى قائد جنود المسلمين سعد بن أبي وقاص وهو يواجه كسرى بقوله:
"يا سعد! أوصيك ومن معك بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، واعلم أن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وأنّا لا ننتصر على عدونا بعدد ولا عدة، فعددنا ليس كعددهم، وعدتنا ليست كعدتهم، وإنما ننتصر بمعصية عدونا لله، وطاعتنا له، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإن لم نغلبهم بطاعتنا لم نغلبهم بقوتنا".
وروى ابن كثير في تاريخة"البداية والنهاية"أن هرقل امبراطور الدولة البيزنطية حين قدمت عليه منهزمة الروم، وهو في أنطاكية، قال:"ويلكم، أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا: بل نحن أكثر أضعافاً في كل موطن، قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنّا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام، وننقض العهد ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط، وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض، فقال: أنت صدقتني!".
وسأل هرقل رجلاً كان قد أسره المسلمون، فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم: هم فرسان بالنهار رهبان بالليل، ولا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلاسلام، ويقفون على ما حاربوا حتى يأتوا عليه فقال"لئن كنت صدقتني ليملكنّ موضع قدميّ هاتين".
ووصف رجل من الروم المسلمين لرجل من أمراء الروم، فقال:"جئتك من عند رجال دقائق يركبون خيلا عتاقا، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها ويثقفون القنا، لو حدثت حديثك أحدا، ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر، قال: فالتفت إلى أصحابه، وقال:"أتاكم من لا قبل لكم به"."
فهذا هو سر غلبة المسلمين على أعدائهم، فما انتصروا إلا بأخلاقهم الزكية العالية وطاعتهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
والحقيقة أن"سهام الأسحار"هذه...، أو"أنات ساعات الأسحار"وابتهالاتها وتضرعاتها هي سلاح المؤمن، ليس ضد عدوه فحسب، بل هي رأس مال العلماء والحكماء، ووراء تفجر قريحة الأدباء والشعراء، فإن وقت"السحر اللطيف المبارك ينعش الروح ويفتح ويفتح الذهن ويفجر القريحة ويشعل الموهبة، في هذا الوقت الروحاني - الذي تقبل فيه عناية الله على عباده، وتطل عليهم رحمته - يتزود العالمون العاملون بنشاط جديد وروح للعمل، الوقت الذي لم ولن يستغني عنه أكبر عالم وأعظم مربّ وأجلّ مصلح، وإن هذا الوقت -وقت السحر- يمكن أن نسميه ب"مصنع الرجال والعظماء"و"معمل النوابغ والعباقرة"الذين يملؤون فيه بطاريتهم، ويقبلون على ربهم بعباداتهم ودعواتهم وابتهالاتهم، فيعطيهم ما يسألونه، ويجري على ألسنتهم العلم والحكمة، ويفتح لهم خزائن رحمته، ويكرمهم بفضل من عنده ويمنحهم القدرة على العمل والإبداع."
من هنا.. فقد كان السلف -رحمهم الله- حريصين، أشد ما يكون الحرص، على اغتنام أوقات"الأسحار"الصانعة المربية الملهمة الموحية واستثمارها، فقد كان لأناتهم السحرية وابتهالاتهم الصباحية الباكرة دور أساسي في تفوقهم وإبداعهم وتميزهم بل تفردهم وخلود آثارهم، وارتفاعهم إلى الصدارة والزعامة والإمامة في مجالات تخصصاتهم.