تحدث الشيخ أبو الحسن الندوي -رحمه الله- عن العوامل التي كونت شخصية شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال -رحمه الله- فذكر -بصفة خاصة- دور"الأنّات السحرية"في تكوين شخصيته، يقول:
"والمربي الرابع الذي يرجع إليه الفضل في تكوين سيرته -إقبال- وشخصيته، وفي قوة شعره وتأثيره، وجدة المعاني وتدفق الأفكار، هو أنه لم يكن يقتصر على دراسة الكتب والاشتغال بالمطالعة، بل كان يتصل بالطبيعة من غير حجاب، يتعرض للنفحات السحرية، ويقوم في آخر الليل، فيناجي ربه، ويشكو بثه وحزنه إليه، ويتزود بنشاط روحي جديد، وإشراق قلبي جديد، وغذاء فكري جديد، فيطلع على أصدقائه وقرائه بشعر جديد، يلمس الإنسان فيه قوة جديدة وحياة جديدة، ونورا جديدا، لأنه يتجدد كل يوم، فيتجدد شعره، وتتجدد معانيه."
"وكان عظيم التقدير لهذه الساعات اللطيفة التي يقضيها في السحر، ويعتقد أنها رأس ماله ورأس مال كل عالم ومفكر، لا يستغني عنها أكبر عالم أو زاهد، يقول في بيت:"كن مثل الشيخ فريد الدين العطار في معرفته، وجلال الدين الرومي في حكمته، أو أبي حامد الغزالي في علمه وذكائه، وكن من شئت في العلم والحكمة، ولكنك لا ترجع بطائل، حتى تكون لك أنَّه في السحر"."
"وكان شديد المحافظة على ذلك كثير الاهتمام به، يقول في مطلع قصيدة:"رغم أن شتاء انجلترا كان قارسا جدا، وكان الهواء البارد يعمل في الجسم عمل السيف، ولكني لم أترك في لندن التبكير في القيام"،"كان لا يبغي به بدلا، ولا يعدل به شيئاً، يقول في بيت:"خذ مني ما شئت يارب! ولكني لا تسلبني اللذة بأنة السحر، ولا تحرمني نعيمها"، بل كان يتمنى على الله أن تتعدى هذه الأنة السحرية، والحرقة القلبية إلى شباب الأمة المتنعمين، فتحرك سواكن قلوبهم، وتنفخ الحياة في هياكلهم، يقول في قصيدة:"اللهم جَرّح أكباد الشباب بسهام الآلام الدينية، وأيقظ الآمال والأماني النائمة في صدورهم، بنجوم سماواتك التي لا تزال ساهرة، وبعبادك الذين يبيتون الليل سجداً وقياماً، ولا يكتحلون بنوم، وارزق الشباب الإسلامي لوعة القلب وارزقهم حبي وفراستي"."ويقول في قصيدة:"اللهم ارزق الشباب أنّتي في السحر، وأنبتْ لصقور الإسلام القوادم والخوافي، التي تطير بها وتصطاد، وليست لي أمنية يا رب! إلا أن تنتشر فراستي، ويعم نور بصيرتي في المسلمين" (روائع إقبال 54- 56) ."
وأخيراً... لا يسعنا إلا أن ندعو الله سبحانه أن يرزقنا الأنّات والتضرعات والدعوات السحرية التي تشكل سهاماً وسلاحاً ضد عدونا في جانب، ومصدر قوة ومنبع حكمة ومبعث حياة ونشاط لنا في جانب آخر! إنه سميع الدعاء!
(* عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية