فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
عبد العظيم بدوي الخلفي
ملخص المادة العلمية
تعريف الاستخارة وبيان الاستقسام بالأزلام وحكمه.صور من صور الاستقسام بالأزلام في هذا العصر.أهمية الاستخارة الشرعية وكيفيتها.شرح دعاء الاستخارة.آثار الاستخارة.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: (( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إنس أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - وهو كذا، ويسمي حاجته - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله - فأقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر - وهو كذا، ويسمي حاجته - شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال:في عاجل أمري وآجله - فأصرفه عني وأصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به ) ).
الاستخارة: طلب بيان خير الأمرين من الفعل أو الترك.
وكانوا في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا أو غزوا أو زواجا أو بيعا، أو غير ذلك مما لا يعرف وجه الخير فيه، أتى أحد سدنة البيت وطلب منه أن يخرج له الأزلام، وهي قداح ثلاث: مكتوب على أحدهما افعل، وعلى الثاني لا تفعل، والثلاث غفل ليس عليه شيء. فيدير هذه الأزلام ويحركها، ثم يأخذ واحدا منها، فإن خرج المكتوب عليه افعل استبشر خيرا ومضى، وإن خرج لا تفعل استبشر شرا وقعد، وإن خرج الغفل الذي لا كتابة عليه أعاد الاستقسام.
وقد ثبت في الصحيح أن سراقة بن مالك لما خرج في طلب النبي وأبي بكر وهما مهاجران إلى المدينة قال: فاستقسمت بالأزلام هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا تضرهم، قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم استقسم بها ثانية وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره: لا تضرهم، وكان سراقة لم يسلم بعد.
وثبت في الصحيح أن النبي لما دخل الكعبة وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها وفي أيديهما الأزلام، فقال: (( قاتلهم الله، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا ) ).
فلما جاء الإسلام حرم الاستقسام بالأزلام، وعده فسقا، قال تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق [المائدة:3] .
وقال النبي: (( لن يلج الدرجات العلى من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر تطيرا ) ).
وإنما حرم الإسلام الاستقسام بالأزلام لأنه من الخرافات والأوهام التي لا يركن إليها إلا من كان ضعيف العقل سيء الرأي، يفعل ما يفعل من غير بينة ولا بصيرة، ويترك ما يترك من غير بينة ولا بصيرة، ويجعل نفسه ألعوبة للكهنة والسدنة، ويتفاءل ويتشاؤم بما لا فأل فيه ولا شؤم، فلا غرو أن يبطل ذلك دين العقل والبصيرة والبرهان، كما أبطل التطير والكهانة والعيافة والعرافة وسائر خرافات الجاهلية.
إلا أنه مع الأسف ما زال في المسلمين من يستقسم بالأزلام أو بما في معناها، ويسمونها بغير اسمها، كمن يستقسم بالسبحة ويسمى هذا الاستقسام استخارة، وذلك بأن يعدوا حبات السبحة واحدة واحدة وهم يقولون: افعل لا تفعل، افعل لا تفعل، حتى تنتهي السبحة، فيكون الحكم الفصل للحبة الأخيرة، فإن كانت آخر حبة مع قوله: افعل، فعل، وإن كانت مع قوله: لا تفعل، لم يفعل.
ومنه من يأخذ الفأل من القرآن الكريم، وطريقتهم في ذلك: أن يأتي أحدهم بالمصحف مغلقا، ثم يقرأ: قل هو الله أحد سبع مرات، ثم يقول ثلاث مرات: اللهم بكتابك تفاءلت، وعليك توكلت، اللهم أرني في كتابك ما هو الكتوم من سرك المكنون في غيبك. ثم يفتح المصحف ويتفاءل بأول الصفحة.
ومنهم من يأخذ الفأل من ورق الكوتشينة، ومنهم من يأخذه من زهر الطاولة إلى آخر ذلك من عادات الجاهلية التي حرمها الإسلام واستحلها المسلمون، وسموها بغير اسمها.
ولما كان الإنسان يتعرض ولابد لأمور يخفى عليه الخير والشر فيها، فيتردد ويحتار فإن الإسلام وقد حرم الاستقسام بالأزلام أرشد المسلم إلى الفرار إلى الله بالدعاء والسؤال، ليزيل الحيرة، وييسر له الخيرة، ويشرح صدره لها.
وكان النبي يهتم بتعليم المسلمين الاستخارة كما يهتم بتعليمهم السورة من القرآن، مما يدل على شدة الاعتناء بهذا الدعاء.
كما كان يرشدهم إلى الاستخارة في الأمور كلها، دقّها وجلّها، وفي هذا دليل على أنه لا يجوز للمرء أن يحتقر أمرا أو يستصغره، فيترك الاستخارة فيه، فيكون في الإقدام عليه ضرر عظيم، أو يكون في تركه خير كثير.