إعداد/ د. عبد الحميد هنداوي
الأستاذ بكلية دار العلوم ـ القاهرة
اطلعت على تقرير (1) كتبه شيريل بينارد من قسم بحوث الأمن القومي في مؤسسة راند الأمريكية (2) ، يتناول الشئون الاستراتيجية والأمنية، الأمريكية والعالمية على السواء، وقد صدر هذا التقرير في 18 مارس 2004 بعنوان: «الإسلام المدني الديمقراطي: من يشارك فيه، وما مصادره واستراتيجياته» ؟
وهذا التقرير يأتي ضمن سلسلة أبحاث قامت وتقوم بها العديد من الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية الأهلية والحكومية بهدف تقديم الوسائل والسبل للتصدي للإسلام السلفي أو ما يسمونه بالأصولي باعتباره حجر عثرة في طريق تحقيق الولايات المتحدة لأغراضها في العالم الإسلامي، على اختلاف وتنوع تلك الأغراض ما بين دينية صليبية حاقدة، وسياسية متغطرسة، وعسكرية مستعمرة، واقتصادية مستغلة... إلخ.
ويرى التقرير أن الولايات المتحدة لها أهداف محددة فيما يتعلق بالإسلام السياسي أهمها:
1-منع انتشار التطرف والعنف، وحين تفعل هذا تحتاج إلى تجنب ترك الانطباع بأن الولايات المتحدة تعارض الإسلام.
2-التأثير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بما يحقق المصالح الأمريكية في المنطقة.
3-العمل على إيجاد عالم إسلامي قابل للتوافق مع الأنظمة الديمقراطية ويتبع أحكام السلوك الدولي وأعرافه.
4-العمل على منع صدام الحضارات بكل أنواعه وألوانه الممكنة - لا سيما الحضارة الإسلامية بما تحمل من أصول ومفاهيم تتصادم مع الحضارة الغربية - مما يؤدي إلى زعزعة الاستقلال واشتداد الإرهاب.
5-ومقتضى ما سبق أن يتم العمل على كافة السبل لإلغاء التصادم بين الإسلام والغرب، وذلك بالعمل على تذويب المسلمين، وتمييع عقائدهم وتصوراتهم ومفاهيمهم بما يتماشى مع الواقع الأمريكي على وجه الخصوص.
الرؤية الأمريكية للعالم الإسلامي اليوم
ويحدد هذا التقرير معالم النظرة الأمريكية للعالم الإسلامي اليوم حيث يرد أزمة العالم الإسلامي إلى أمرين هما:
1-إخفاقه في تحقيق الازدهار.
2-فقدان اتصاله بالتيار العالمي.
ويرى أن المسلمين تختلف اتجاهاتهم إزاء ما ينبغي عمله لمواجهة هذا الوضع، ويختلفون أيضًا عما ينبغي أن يكون عليه مجتمعهم في النهاية، ويميز التقرير بين أربعة اتجاهات أساسية بين المسلمين:
1-الأصوليون:
وهم في وجهة نظره الذين يرفضون الديمقراطية والثقافة الغربية المعاصرة، ويريدون إقامة دولة دينية (3) ، ويستعدون لاستخدام التجديد والتقنيات الحديثة للوصول لهذا الهدف.
2-التقليديون:
وهم على نفس النهج السابق، ولكنهم - في وجهة نظرهم - أكثر اعتدالاً، وقصارى ما يمكن أن يقال فيهم: إنهم في أحسن الأحوال يمكن أن يقيموا مع ثقافة الحداثة الغربية سلامًا متوترًا.
3-الحداثيون:
وهم الذين يريدون أن يصبح العالم الإسلامي جزءًا من الحداثة العالمية، عن طريق تحديث الإسلام وإصلاحه ليتوافق مع تطلبات العصر.
4-العلمانيون:
وهم الذين يريدون من العالم الإسلامي أن يقبل بمبدأ فصل الدين عن الدولة.
ومن الواضح أن الحداثيين والعلمانيين صناعة غربية؛ لذا يلفظهم المجتمع المسلم.
ويرى التقرير أن الإسلام الرشدي التقليدي يحتوي على عناصر ديمقراطية يمكن أن تستخدم في مواجهة إسلام الأصوليين السلطوي القمعي، لكنه لا يصلح أن يكون الوسيلة الأساسية لبناء إسلام ديمقراطي؛ لأن هذا الدور مهمة الحداثيين المسلمين، مع أن هناك عددًا من القيود يحد من فاعليتهم سوف يكشف عنها هذا التقرير.
ويقترح التقرير كذلك سبل ووسائل دعم هذه الاستراتيجية الأمريكية بعدد من الوسائل التي تعد خلاصة ما سبق، ومنها:
1-تشجيع التيارات الموالية للغرب في العالم الإسلامي، وتعزيز نشاطهم ليصبح أكثر فاعلية.
2-إدخال آراء الحداثيين في المناهج التعليمية الإسلامية، ونشر آرائهم لتنافس آراء الأصوليين والتقليديين.
3-وضع العلمانية والحداثة أمام الشباب المسلم كخيار ثقافة مضادة للجهل والتخلف.
4-بث الوعي بالثقافات غير الإسلامية كالفرعونية وغيرها، والتعريف بما في مناهج التعليم ووسائل الإعلام.
مواجهة الأصوليين ومعارضتهم
-يدعو التقرير إلى مواجهة الأصوليين، وإشاعة الفرقة بينهم وبين التقليدين، وإذاعة نقد هؤلاء لعنف الأصوليين وتطرفهم، وتثقيف التقليديين ليكون بوسعهم مناقشة الأصوليين.
-ومن جانب أخر يوصي التقرير بتشجيع التعاون بين الحداثيين والتقليديين الذين هم أقرب إلى الطرف الحداثي، والعمل على زيادة حضور الحداثيين وتميزهم في المؤسسات التقليدية.
-بث المغالطات حول تفسير الأصوليين للإسلام، والتزيد بعواقب أعمالهم العنيفة، والبرهنة على عجزهم عن الحكم، وبث هذا الخطاب على كل المستويات.
-تجنب إظهار الاحترام أو الإعجاب بالأفعال التي يقوم بها الأصوليون، وإسقاط احترامهم، واعتبارهم جبناء وليسوا أبطالاً.