فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
عائض القرني ...
ملخص الخطبة ...
1-شرف المسلم وعزه في تمسكه بالقرآن والسنة. 2- قصة ابن أم مكتوم مع النبي . 3- زواج جليبيب ومقتله. 4- عطاء بن رباح مفتي الحج. 5- عمر في بلاد الشام. 6- ربعي في بلاط رستم. 7- التأسي بالساقطين والساقطات ومهازيل الأمم. ...
الخطبة الأولى ...
أيها الناس:
ومما زادني شرفًا وفخرًا وكدتُ بأخمصي أَطأُ الثريَّا
دخولي تحت قولك"يا عبادي"وأن صيَّرت أحمد لي نبيِّا
من مبادئنا الأصيلة، ومن تعاليمنا الجليلة، أن نفتخر بهذا الدين، وأن نتشرف بأن جعلنا الله مسلمين، فمن لم يتشرف بالدين ومن لم يفتخر بكونه من المسلمين، ففي قلبه شك وقلة يقين، يقول الله في محكم التنزيل، مخاطبًا رسوله، صلى الله عليه وسلم: وإنَّه لذكرٌ لك ولقومِك وسوف تُسْألون [الزخرف:44] . أيْ: شرف لك، وشرف لقومك، وشرف لأتباعك إلى يوم القيامة، فالواجب أن تتشرف بالقرآن، لكونك من أمة القرآن، ومن أمة الإسلام.
بشرى لنا معشر الإسلام أنّ لنا من العناية ركنًا غير مُنْهدِم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرُّسْلِ كنا أكرمَ الأممِ
ولذلك يقول جلّ ذكره: ولا تَهِنوا ولا تَحزَنُوا وأنتُم الأعلَوْن إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 139] .
قال الأستاذ سيد قطب: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون الأعلون سندًا، والأعلون مبادئًا، والأعلون منهجًا، فمبدؤكم المبدأ الأصيل، وقرآنكم القرآن الجليل، وسندكم الربُّ الفضيل، فكيف يَهِن من كان الله سنده، وكيف يهن من كان الله ربه ومولاه، وكيف يهن من كان رسوله وقدوته محمدًا صلى الله عليه وسلم، وكيف يهن من كان دينه الإسلام.
ولذلك كان لِزامًا علينا أن نفخر، وأن نشعر بالشرف والجلالة والنُّبل، يوم أن جعلنا الله مسلمين؛ لأن بعض الناس قد يخجل أن يلتفت إلى السّنّة، أو أن تظهر عليه معالم السنة، وهذا خطأ كبير وانهزام نفسي فاحش.
كيف يخجل المؤمن من السنة، ونجاته يوم القيامة موقوفة على اتباعها. ويظن بعض هؤلاء أن الغرب بما وصل إليه من تقدم علمي هم أهدى سبيلاً من أهل الإيمان والإسلام !! ولذلك يَرُدّ الله - عز وجل - على الذين ظنوا أن مبادئ الشرف ومبادئ الرِّفعة، في تحصيل الأموال ومتلاك الدنيا فقال سبحانه: وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتين عظيم. أَهُمْ يقسمون رحمة ربِّك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجات ليتّخِذَ بعضهم بعضًا سُخْرِيًّا ورحمةُ ربِّك خيرٌ مما يجمعون [الزخرف:31-32] .
الشرف كل الشرف ليس في الدور، ولا القصور، ولا في الأموال، ولا في الأولاد، ولا في الهيئات ولا في الذوات، الشرف أن تكون عبدًا لرب الأرض والسماوات، الشرف أن تكون من أولياء الله، الذين يعملون الصالحات، ويجتنبون المحرّمات.
جاء عبد الله ابن أم مكتوم، الضرير الفقير المسكين، إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، يسأله في بعض الأمور، والرسول صلى لله عليه وسلم، مشغول بكفار قريش وساداتهم و يريد أن يهديَهم إلى صراط الله المستقيم، فلما دخل عليه قال: يا رسول الله، أريد كذا وكذا فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم [1] لأنه لا يريد أن تفوته الفرصة مع هؤلاء الكبار، فعاتبه ربه من فوق سبع سماوات، عاتبه في أمر هذا المسكين الضرير، يقول الله له: عبس فخاطبه بخطاب الغَيْبة، ولم يقل ( عَبَسْتَ ) وإنما يقول عبس أي تغير وجهه واكفهرّ، عبس هذا الرسول، عبس هذا النبي، عبس هذا الداعية في وجه الرجل الصالح عبس وتولى [عبس:1] . أي أعرض عنه عبس وتولى أن جاءه الأعمى [عبس:1-2] . ولم يُسمِّه باسمه، إنما ذكره بصفته أن جاءه الأعمى ثم قال له: وما يدريك لعله يزّكى [عبس: 3] . من أخبرك بحاله، لعله أراد أن يتطهّر بالعلم النافع أراد منك أن تُفقّهه بالدين، أراد منك أن تقوده إلى رب العالمين، أو يذّكرُ فتنفعه الذكرى أما من استغنى [عبس:4-5] . أما الكافر الذي استغنى عن الرسالة والرسول، وعن القرآن والسنة، وعن الهداية والنور أما من استغنى فأنت له تصدى [عبس:5-6] . تستقبله، وتهش وتبش في وجهه، وتلين له في الخطاب.
هؤلاء الجبابرة الذيت أتوك تستقبلهم ,أما هذا الأعمى، فتعرض عنه؟! فأنت له تَصَدَّى وما عليك ألا يزَّكى [عبس:6-7] . ليس عليك حسابهم، ذرهم يموتوا بكفرهم، وجبنهم، وعنادهم، وجبروتهم، فالنار مثواهم. وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسْعى وهو يخشى فأنت عنه تَلَهَّى [عبس:7-10] . لا، لا تفعل.
فأتى عبد الله ابن أم مكتوم مرة ثانية، فقام له، صلى الله عليه وسلم، وعانقه، وفرش له رداءه، وقال له: (( مرحبًا بالذي عاتبني فيه ربي ) ) [2] .
وبالفعل كانت النتيجة؛ أن من مات من هؤلاء الأشراف السادة، ماتوا على الكفر ودخلوا نارًا تلظى، وأما عبد الله ابن أم مكتوم، فأسلم واستمر على إسلامه ووفائه.