فهرس الكتاب

الصفحة 9143 من 9994

ومن أبواب البر في هذا الشهر الكريم قراءة القرآن: فإن هذا الشهر هو شهر القرآن قال الله تعالى: ?شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ? (6) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يختم القرآن في رمضان فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( كان جبريل يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه ) ) (7) رواه البخاري. وقد كان السلف يهتمون بالقرآن اهتماماً زائداً في هذا الشهر فقد كان الإمام مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث وأقبل على قراءة القرآن الكريم من المصحف وقال الزهري: إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام.

ومن أبواب الخير في هذا الشهر الكريم الجود والكرم والسخاء والصدقات وذلك أن النفوس إذا زكت وطهرت أعطت وبذلت، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ) ) (8) متفق عليه.

فعليكم أيها الأحباب بكثرة النفقة والصدقة في وجوه البر في هذا الشهر الكريم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كل امرئ في ظل صدقته حتى يُقضى بين الناس ) ) (9) رواه أحمد وغيره بسند جيد وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي بسند صحيح: (( والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ) ) (10) .

ولي عند هذا الباب من أبواب البر في هذا الشهر وقفات:

الأولى: أن كثيراً من الناس يؤخر زكاته إلى هذا الشهر الكريم أو يعجلها فيه ويكتفي بإخراجها عن إخراج الصدقات غير الواجبة التي ورد في الحث عليها نصوص كثيرة وقد يكون فيه أيضاً تضييع للفقراء والمستحقين للزكاة في غير شهر رمضان.

والوقفة الثانية: أن بعض أهل الإنفاق يمسك عن البذل والصدقة خشية الفقر أو بسبب الركود الاقتصادي أو غير ذلك من الأسباب ولهؤلاء الإخوة نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما نقصت صدقة من مال ) ) (11) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الصدقة أفضل؟ قال: (( جهد المقل وابدأ بمن تعول ) )رواه أبو داود.

والثالثة: أن بعض الناس لا يتحرى المستحقين للصدقة والزكاة فهو يعطي كل من سأله بل بعض الناس اعتاد أن يعطي أناساً كل عام حتى لو اغتنى هؤلاء ولاشك أن هذا لا يحل صرف الزكاة فيه وهي لا تجزىء عن صاحبها وقد يتعذر بعض المتصدقين بأنه لا يعرف المحتاجين والجواب على هذا أن نقول: ابحث عن من يدلك عليهم.

أيها الإخوة الكرام ومن أبواب الخير في هذا الشهر الكريم العمرة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( فإن عمره فيه - أي رمضان - تعدل حجة ) )أو قال: (( حجة معي ) ) (12) وهذا الفضل حاصل لمن اعتمر في أي جزء من أجزاء هذا الشهر فليس هذا مخصوصاً بزمان معين فيه.

ومن أبواب الخير في هذا الشهر اعتكاف العشر الأواخر منه فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (( كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ) ) (13) رواه الشيخان.

فأبواب الخير وصنوف البر في هذا الشهر كثيرة والسعيد من اغتنم مواسم النفحات وسارع في الخيرات وصدق من قال:

طوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شهره وبحبل الله معتصما

الخطبة الثانية

أما بعد…

فاغتنموا عباد الله هذا الموسم الكريم واعلموا أن الحسنة فيه تضاعف والسيئة تعظم فاستكثروا من الحسنات وتخففوا من السيئات فإن الصيام لم يشرع إلا لتحقيق هذه الغاية وهذا المقصد قال الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ? (14) فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أن الغاية من فريضة الصيام على هذه الأمة وعلى الأمم التي قبلها هي تقوى الله عز وجل فليس المقصود من الصيام الجوعَ والعطشَ وتركَ الشهوة فحسب فإن هذه الأشياء وسيلة إلى غاية ووصلة إلى نهاية وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من لم يدع قول الزور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه ) )رواه البخاري (15) .

فمن منع نفسه الطعام والشراب والشهوة ثم أطلق لجوارحه وقلبه العنان في ارتكاب المعاصي والذنوب فإنه لم يحقق التقوى التي من أجلها شرع الصيام.

إذ إن تقوى الله تعالى هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل الطاعات واجتناب المنهيات فهل اتقى الله يا عباد الله عبد صام عن الطعام والشراب ثم أعمل لسانه في الغيبة والنميمة؟

أم هل اتقى الله عبد نام عن الصلوات المكتوبات وضيّع الحقوق والواجبات؟

أم هل اتقى الله من أحيا ليله بالملذات والشهوات والمنكرات؟

أم هل اتقى الله من شغل أذنه بسماع المحرمات، ونظره بمشاهدة الممنوعات والمحظورات؟

أم هل اتقى الله من هجر القرآن وترك القيام وعمر وقته بما يغضب الرحمن؟

أم هل اتقى الله رجل ضيّع أبناءه وبناته فلم يقم بحفظهم و وقايتهم مما حرم الله؟

الجواب: لا والله لم يتق الله، إنما اتقى الله من زاده الصيام استقامة وعبادة وصلاحاً

فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من عبادة الله تعالى في هذا الشهر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص رمضان بالإكثار من العبادات والطاعات واستغلوا أيها المؤمنون مواسم الخيرات لتكثير الحسنات وتكفير السيئات فإن المحروم من أدرك هذا الشهر ولم يغفر له.

(1) البخاري (38) ، ومسلم (760) .

(2) البخاري ( 1904) ، ومسلم ( 1151) .

(3) البخاري (37) ، ومسلم ( 759) .

(4) النسائي ( 1164) ، وأبو داود ( 1375) .

(5) البخاري ( 1901) ، ومسلم ( 760) .

(6) سورة: البقرة: آية ( 185) .

(7) البخاري (4998 ) ،ومسلم ( 2450) .

(8) البخاري (6) ، ومسلم ( 2308) .

(9) أحمد (16882) .

(10) الترمذي ( 614) .

(11) مسلم ( 2588)

(12) مسلم ( 1256) .

(13) البخاري (2026 ) ، ومسلم ( 1172) .

(14) سورة: البقرة: آية (183) .

(15) البخاري ( 1904) .

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى بالإكثار من الطاعات والتخفف من المعاصي والسيئات فوالله ما أعماكم إلا كشهركم هذا أطل هلاله ثم تكامل بدره ثم انصرم حبله وها هو يؤذنكم بالرحيل فلا إله إلا الله ما أسرع تصرم الليالي وانقضاء الأيام إن في هذا يا عباد الله لعبرة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً فالرابح أيها المؤمنون في هذا العمر القصد من عمره بطاعة الله واستعمله في مرضاة مولاه فبادروا عباد الله بالأعمال الصالحات أعماركم وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.

أيها المؤمنون إن شهركم قد آذن بالرحيل ربح فيه أقوام وخسر فيه آخرون فاحمدوا الله أيها المؤمنون الصائمون الذاكرون القائمون الراكعون الساجدون على ما وفقكم الله فيه من الأعمال الصالحات واجتهدوا في سؤال القبول فإن الله تعالى لا يتقبل إلا من المتقين الذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون وإياكم يا عباد الله والركون إلى أعمالكم واغترار بها والإعجاب فإنه لن يدخل أحد منكم عمله الجنة ولكن الله يجزي الإحسان على الإحسان ?هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلَّا الإحْسَانُ? (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت