فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الدعاء والذكر
مازن التويجري
الرياض
جامع حي النزهة
ملخص الخطبة
1-فوائد الذكر. 2- النصوص الشرعية تمدح الذاكرين. 3- فوائد أخرى لذكر الله. 4- الكائنات تسبح الله.
الخطبة الأولى
أما بعد:
بينما الناس في غفلتهم راقدون, في غيهم سادرون, قد شغلتهم الدنيا وملذاتها, وألهتهم الأموال والمناصب, في زمن طغت فيه الحضارة والمدنية, فأغرت البشر لينساقوا خلفها لاهثين, قد تعلقت قلوبٌ بالشهوات وتربعت على كثير من العقول الشبهات... مع هذا وغيره كان لابد من وقفة تأمل ومراجعة وحديث حساب وتذكير, يرجع فيه المسلم لنفسه, يناقشها وينظر في صلاحها.
وما أصيب القلب بداء أعظم من الغفلة عن أخراه, وإخلاد إلى الدنيا وحلاوتها المُرة, فتمر عليه الليالي والأيام وهو مريض لا يعلم أنه مريض, عليل لا يدري ما علته, بل ميت وإن نبض قلبه بروح الحياة, حتى يعلوه الران, وتسكن أرجاءه الظلمة, فيبدو في أعين الناس سعيدًا, والسعادة عنه بمعزل, مسرورًا وقد عان الحزن في حياته, تعلو محياه الضحكات والبسمات, وقلبه يتفطر حرقة وألمًا, ويتقطع همًا وغمًا, فللقلوب صدأ لا يجلوه إلا ذكر الله, ولها أقفال مفتاحها لهج اللسان بحمده, وإدامة العبد لشكره, فالذكر جنة الله في أرضه, من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة, وهو إنقاذ للنفس من أوصابها وأتعابها, بل هو طريق ميّسر مختصر إلى كل فوز وفلاح, طالع دواوين الوحي لترى فوائد الذكر, وجرب مع الأيام بلسمه لتنال الشفاء.
إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ ونترك الذكر أحيانًا فننتكس
بذكره سبحانه تنقشع سحب الخوف, والفزع, والهم والحزن, بذكره تنزاح جبال الكرب والغم والأسى.
ولا عجب أن يرتاح الذاكرون, ولكن العجب العجاب كيف يعيش الغافلون الساهون عن ذكره أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون [النحل: 21] .
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في مدارج السالكين:"والذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل, ومن مُنعه عُزل, وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا, وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا, وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق, وماؤهم الذي يطفئون به نار الحريق, ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب, والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علاّم الغيوب هو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون."
يدع القلب الحزين ضاحكًا مسرورًا, ويوصل الذاكر إلى المذكور، بل يدع الذاكر مذكورًا, به يزول الوقر عن الأسماع, والبكم عن الألسن, وتنقشع الظلمة عن الأبصار, زين الله به ألسنة الذاكرين, كما زين بالنور أبصار المبصرين, فاللسان الغافل كالعين العمياء, والأذن الصماء, واليد الشلاء, وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده, ما لم يغلقه العبد بغفلته, ولقد امتدح الله عباده المؤمنين أولو العقول والألباب إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لأيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار [آل عمران: 190 ـ 191] .
وهم أصحاب القلوب الرقيقة الرحيمة فلهم شهادة الله بالإيمان الحق إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم [الأنفال: 2 ـ 4] .
أخرج مالك في الموطأ والترمذي والحاكم وصححه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال النبي: (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إنفاق الذهب والوِرق, وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ) )قالوا: بلى, قال: (( ذكر الله تعالى ) ) [1] .
آه, ما أشد الغفلة والإعراض عن خير العمل, وأزكاه عند الرب, وأرفعه في الدرجات وخير من إنفاق الذهب والفضة, بل وخير من الجهاد في سبيل الله, إنها الخسارة العظيمة, والغبن والهزيمة يوم يَحرم المرء نفسه هذا الفضل العظيم.
أخرج الترمذي والحاكم وصححه, ووافقه الذهبي عن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله, إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به قال: (( لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله ) ) [2] .
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ:"الذكر للقلب مثل الماء للسمك, فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء".
وللذكر فوائد عظيمة, يضيق المقام عن إحصائها, بل يعجز العقل عن إدراكها, ولكن حسبنا شيئًا من ثماره, وفوائده كما عدّها ابن القيم في الوابل الصيب:
منها: أنه يورث الذاكر القرب من الله, فعلى قدر ذكره لله عز وجل يكون قربه منه.