فهرس الكتاب

الصفحة 8808 من 9994

ألا إنَّها دعوةٌ لأهل الإسلامِ جَميعاً إلى أن يتمسَّكوا بميراثِهمُ الحقيقيِّ كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ r , ألا إنَّها دعوةٌ إلى التَّكاتُف على تحقيقِهما في جَميعِ المجَالاتِ التَّشريعيةِ والاقتصاديَّةِ والسِّياسَّيةِ والاجتماعيَّةِ و جَميعِ جَوانبِ الحَياةِ ..

آلا إنَّها دعوةٌ للحذَرِ من كلَّ ما يُخالفُ ذلك أو يُفضي إلى التباسِهِ أو التَّشكيكِ فيهِ..

آلا إنَّها دعوةٌ لتصحيحِ المَفاهيمِ فالميراثُ الحقيقيُّ الذي يجبُ الاعتناءُ بهِ وإحياؤُه وتكريسُ الجُهودِ من أجلِهِ هو: ميراثُ محمدٍ r ، باتَّباع منهاجهِ والسيَّرِ على طريقِهِ الذي لا سَعادةَ للبشريةِ إلا به , ولا عِزَّةَ إلا بالتَّمسُّكِ بجَانبه ..

هذا وصَلُّوا وسلِّموا رَحِمكمُ الله النَّبيِّ العَظيمِ والمُرشِدِ الكَريمِ r .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-أخرجه أبو داود ( 3641 ) والترمذي ( 2682 ) وابن حبان والحاكم وصححه , قال الحافظ: وله شواهد يتقوى بها . ( فتح الباري: 1 / 160 ) .

2-انظر أساليب الغزو الفكري ص (78) .

3-جريدة الندوة في عددها الصادر في 24/6/1380هـ والقائل هو مصطفى أمين . وانظر في عددها الصادر في 24/5/1387هـ بقلم صالح محمد جمال .

4-الرد على مصطفى أمين ص (548) من المجموع المفيد .

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) )]آل عمران:102 [. (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) )] النساء:1 [. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) )] الأحزاب:70-71[.

أمَّا بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أما بعدُ ، أيَّها المسلمون:

فيقولُ اللهُ تعالى في كتابه الكريم: (( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ ) ) (الزخرف:44,43) .

وصح عنه- عليه الصلاة و السلام- أنه قال: (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتابُ الله وسنتي، عضوا عليها بالنواجذ، و إيَّاكم ومحدثات الأمور ) ) (1) .

وأخبرَ في الحديثِ الصحيح: (( أن الأنبياء لم يورثوا ديناراً و لا درهماً و إنما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر ) ) (2) .

و يتضحُ من خلالِ هذه النصوصِ الشريفة, مدى حاجةِ الأمةِ إلى التمسكِ بميراث النبوةِ العظيم, مبعث عزتها و قوتها, وأساسَ نهضتها و حضارتها, وبمقدار تمسكها به تكون مكانتها ومنزلتها بين الأمم, فهو الموروثُ الحقيقي الذي ينبغي أن تفخرَ به وتعتز, كما أنَّهُ الإرثُ المبارك, الذي ينبغي أن تربي الأجيالُ و تنشأ على حبهِ والتمسك به, و نتذكرُ هُنا مقولةَ الفاروق t: (( نحنُ قومٌ أعزنا اللهُ بالإسلام و مهما ابتغينا العزةَ في غيره أذلنا الله ) ).

وصدق t ونصح, فلقد كان العربُ في الجاهليةِ مضربُ المثلِ في التخلف والبدائية, وغلبت عليهم الوحشيةُ و القسوة, حتى وأدوا البنات, وأكلوا الميتة, واشتعلت بينهم الحروب القبلية المدمرة .

فهم أمَّةُ داحسٍ والغبراء, وفرسان حربِ البسوس , التي أضرمت نيرانها أربعين عاماً, فلا تسل عن أنهارِ الدماء, وبراكينَ الأحقادِ الملتهبة, ولا تسل عن جموعِ الثكالى, والأرامل واليتامى, من ضحايا العنادِ والبغي والعدوان.

كما انتشرت في المجتمعِ آنذاك, الأمراضُ الاجتماعيةِ المزمنة, والأخلاقُ الجاهلية الفاسدة , فكان شربُ الخمرِ واسعُ النطاق, شديدُ الرسوخِ، يتغنى بمجالسها الشعراءُ والأدباء , فهم القائلون:

ألا هبي بصحنك فأصبحينا ولا تبقى خمور الأندرينا

مشعشعةً كأن الحص فيها إذا ما الماءُ لا قاها سخينا

وأمَّا القمارُ, فمفخرةٌ من مفاخرهم, والعزوفُ عنه عارٌ ومسبة, كما انتشر الربا بأشكالهِ وألوانه, ولم يجدوا في تعاطيهِ إثماً و لا حرجاً, وأمَّا الزنا فكان للبغايا راياتٌ حمر يُعرفن بها- عياذاً بالله - وبالجملةِ كان العربُ آنذاك أضعفَ الشعوب, وأحقرها, لا قائد لهم ولا راعي , فهم أشبهُ بقطيعِ غنمٍ في ليلةٍ مطيرة .

هذه بعضُ مظاهرِ الذلةِ والمهانة, التي كان القومُ يعيشونها, حتى أشرقت شمسُ الرسالة, وسطعت أنوارُ النبوةِ, فبُعث نبينا- عليه الصلاة السلام- والحالُ كما ذكر فجاهد- عليه الصلاة والسلام- تلك الأوضاع البائسة, والأحوالِ المتخلفة, ونذرُ حياتهُ للدعوةِ والإصلاح, فأسهرَ ليلهُ وأظمأَ نهارهُ, وهو يبذلُ قصارى جُهده, وغايةَ وسعهَ مستميتاً في استصلاحِ القلوب القاسية, واستنقاذَ النفوسِ المريضةِ التي ألفت المنكر, واعتاد تهُ، ولم تعد تملكُ منه فكاكاً, حتى فتحَ اللهُ على يديهِ الشريفتين , فحدثت المعجزةُ العظيمة, والانقلابَ المدهش, فتحول المجتمعُ الجاهلي إلى عجائب الدهر, وسو انح التاريخ, حتى وجد فيهم القائدُ المسلم ، الذي يجلسُ مع اليهودي أمام القاضي, ينظرُ في أمرهما بكلِّ عدالةٍ و إنصاف, وحتى وُجد فيهم القائدُ المسلم الذي يخرجُ من البلد التي فتحها, لأنَّهُ أخلَّ بشرطٍ من شروط الفتح, وتحققت في أسلافنا نبوءتهِ - عليه الصلاة والسلام- حيث يقول: (( إنَّ اللهَ زوى لي الأرض فرأيت مشارقها و مغاربها, وإن أمتي سيبلغُ ملكها ما زوى لي منها ) ) (3) أخرجه مسلم .

عن ثوبان t ففتحتُ بلاد الروم و فارس, و أنفقتُ كنوزها في سبيلِ الله, ووصلت جحافلُ التوحيد أقاصي الدنيا شرقاً وغرباً .

وطالت أيامُ المسلمين, و دامت أمجادهم, وخلَّفوا مآثرَ لا تُنسى, ونشطَ العلماءُ فصنفوا وألفوا, وورثوا تركةً ضخمةً من نفائسِ المخطوطات , ومدائنَ العلم, و نبغَ في الإسلام علماءَ في الجبرِ والهندسة, وعلماءَ في الفلكِ والكيمياءِ والصيدلة, وعلوم البحار.

وألَّفَ أبو القاسم الزهراوي, عشرين مجلداً في الطبِّ والجراحة, وأطباءُ الإسلام, هم أولُ من فتت الحصى في المثانة , وكتبوا في الجذامِ والحصبة والطاعون, والمسلمون هم أولَّ من كشفَ عن الدورة الدموية , واستعملوا البنج في العمليات الجراحية, وظلت كُتبُ المسلمين في الطبِّ مراجعَ معتمدةٍ في جامعات الغرب ستةَ قرونٍ من الزمان, هذه بعضُ مآثرِ المسلمين, ولو استطردنا لضاقَ بنا المقام, وعجز البيان, وكلَّ البنان .

ومقصو دُنا أن هذه المآثرُ والمفاخر, ما كانت لتحدثَ لولا أن القومَ ارتشفوا من معين القرآن, ونهلوا من نبعِ السُنة العذبِ الزلال , الوحيين الشريفين , والمصدرين العظيمين, بالقرآنِ لسعادةِ الدنيا ونعيم الآخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت