فهرس الكتاب

الصفحة 8807 من 9994

بل إنَّ موروثَ الأجدادِ الذي يعنونُه ويقصدونهُ هو مَوروثُ الجاهليةِ الأولى ، فتراهم يُحيُون أسواقَ الجاهليةِ..وشعراءَ الجاهليةِ وأشخاصَ الجاهليةِ وهئياتِ الجاهليةِ ومعارِكَ الجاهليةِ ، فقدْ أصبحت على ألسنةِ الحَداثيينَ أمثالُ هذه الجاهليات هي الموروثاتُ الشعبيةُ القيِّمةُ ! وجعلوا مِنَ الموروثاتِ الشعبيةِ ما ورثناهُ قريبا عن أجدادِنا وآبائِنا الذي هو من قَبيلِ العاداتِ ، وتعلقوا بالأشياءِ كما يحدثُ الآنَ من الاهتمامِ بالمَوروثِ الشعبي ،حتى صارَ عيداً سنوياً يُضاهي العيدَ الشَّرعيَّ أو يكادُ يكونُ !

فبمَ يحتفلونَ ؟ وما المناسبةُ ؟ومَنْ شرَعَهُ ؟

وحتى تَعلمَ أخي المُباركُ أنَّنا لا نتكلمُ من فَراغٍ ، بلْ من واقعٍ ملموسٍ فهذا الشَّاعرُ أحمدُ شوقي ـ الذي يحوى ديوانُهُ عدداً من القصائدِ الإسلاميَّةِ ـ قالَ قصيدةً يُمجِّدُ فيها الفَراعنةَ وقد أهدى هذهِ القصيدةَ إلى المُستشرِق مرجو ليوث ـ أستاذ اللغةِ العربيةِ- ، وقالَ شوقي في مَقدمةِ الإهداءِ لهُ: ( نظَمتها تغنِّياً بمحاسِنِ الماضي ، وتقييداً لآثارِ الأباء ، وقضاءً لحقِّ النِّيلِ الأسعدِ الأمْجدِ ، ونَسبتُها إليكَ عِرفاناً لفضلِكَ على لُغةِ العَربِ ، وما أنْفقتَ من شبابٍ وكُهولةٍ في إحياءِ علُومها ونَشرِ آدابهِا ) وهذا آخرُ يُطالبُ في جريدةِ الندوةِ ويقولُ: ( هذهِ المدينةُ المقدسةُ بها آثارٌ كثيرةٌ تستحقُّ الذِّكرى ، ونحن العربَ لمْ نهتمَّ بهذهِ الآثارِ بّينما نُشاهدُ مَعالمَ باريسَ ، ولندنَ بها مِنَ الآثارِ ما يَجعلُ شُعوبَها تُخلِّدُ هذه الذِّكرى ، فمالنا نحنُ المُسلمينَ العَربَ لا نهتمُّ بآثارِ العُصورِ الماضيةِ ..) (3) .

يُريدونَ أن نُقدِّسَ كلَّ شيءٍ عن الآباءِ والأجدادِ إلاَّ السُّنَّةَ والشرعَ القَويمَ !

يريدونَ أن نُقدِّسَ كُلَّ شيءٍ عن الآباءِ والأجدادِ إلا الدِّينَ المستقيم !

يُردونَ أن نُقدِّسَ كلِّ شيءٍ عن الآباءِ والأجدادِ إلا الجَهادَ والخيرَ والفَضيلةَ !

قال العلاَّمةُ ابنُ بازٍ- رحمه الله-: ( إنَّ تعظيمَ الآثارِ لا يكونُ بالأبنيةِ والكتاباتِ والتَّأسي بالكَفرةِ ، وإنَّما تعظيمُ الآثارِ يكونُ باتباعِ أهلهِا في أعمالهِمُ المجيدةِ ، وأخلاقِهمُ الحَميدةِ ، وجَهادِهم قولاً وعملاً ، ودعوةً وصبراً ، هكذا كان السَّلفُ الصَّالحُ يُعظِّمونَ آثارَ سلفِهمُ الصَّالحينَ ، وأما تعظيمُ الآثارِ والأبنيةِ والزخارفِ والكِتابةِ ونحوِ ذلكَ فهوَ خلافُ هَديِ السَّلفِ الصَّالحِ ، وإنَّما ذلكَ سُنَّةُ اليهودِ والنَّصارى ومَنْ تشبَّهَ بهم ، وهُوَ من أعظمِ وسائلِ الشِّركِ ، وِعبادةِ الأنبياءِ والأولياءِ , كما يشهدُ بهِ الواقِعُ ..) (4) .

وقَال الشيخُ صالحُ الفوزانِ - حفظه الله-:( ومِنْ دسائسِ هذه المُنظَّماتِ الكفريَّةِ دعوتُها إلى إحياءِ الآثارِ القديمةِ والفُنونِ الشعبيَّةِ المُندثَرةِ حتى يشغلُوا المسلمينَ عنِ العملِ المثمرِ بإحياءِ الحَضاراتِ القديمةِ والعودةِ إلى الوَراءِ وتجاهلِ حضارةِ الإسلامِ ،

وإلاَّ فما فائدةُ المُسلمينَ من البحثِ عن أطلالِ الدِّيارِ البائدةِ ! والرُّسومِ الباليةِ الدارسةِ ! وما فائدةُ المسلمينَ من إحياءِ عاداتٍ وتقاليدَ أو ألعابٍ قد فَنِيتْ وبادتْ ! في وقتٍ هم في أمسِّ الحاجةِ إلى العَملِ الجادِّ المثُمرِ ، وقدْ أحاطَ بهم أعداؤهم مِن كُلِّ جانبٍ ,واحتلَّوا كثيرا ًمن بلادِهم, وبعضِ مقدساتهِم ! إنَّهم في مثلِ هذهِ الظُروفِ بحاجةٍ إلى العودةِ إلى دينهم, و إحياءِ سنَّةِ نبيِّهم, والاقتداءِ بسلفِهمُ الصَّالح, حتىَّ يعودَ لهمْ عزُّهم وسُلطانهُم،وحتى يستطيعُوا الوُقوفَ على أقدامهم لردِّ أعدائهم ، وأن يعتزوا برصِيدهمُ العِلميُّ من الكتابِ والسُّنَّةِ والفِقهِ ، ويستمدُّوا من ذلكَ خطَّةَ سيرِهم في الحَياةِ ، ويقرؤوا تاريخَ أسْلافِهمْ ؛لأخذِ القدوَةِ الصَّالحةِ من سِيَرِهم ، أمَّا أن ينشغلوا بالبحثِ عن آثارِ الدِّيارِ ، وإحياءِ الفُنونِ الشَّعبيةِ بالأغانيِ والأسمارِ ، وإقامةِ مشاهدَ تحُاكي العَاداتِ القديمةَ ، فكلُّ ذلك ممَّا لا جَدوى فيهِ ، وإنَّما هو استهلاكٌ للوقتِ والمالِ في غيرِ طائلٍ ، بل ربمَّا يعودُ بهم إلى الوَثنيةِ ، والعَوائدِ الجاهليَّةِ).

فاتَّقوا اللهَ أيُّها المسلمونَ واعملُوا ما فيهِ صلاحٌ لكم ولأُمتكم تُفلحوا دُنيا وأُخرى (( وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) ) [التوبة:105]

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم .

الخطبة الثانية

أيها الأخوةُ: إنَّ إبليسَ ـ لعنه الله ـ استطاع بمكرِه وكيدِه أن يقلبَ مفاهيمَ البشر ، من ذلك تعظيمُ الآباءِ والأجدادِ, إذْ النَّاسُ بِفِطْرَتِهم يُقدِّرونَ آباءَهم وأجدادَهم ويحَترمونهمْ ، فهذه النَّزعةُ صارتْ وسيلةً لتقديسِ الأشخاصِ والأشياءِ ، ومنَها تدرَّجَ بهمُ الشَّيطانُ إلى الشِّركِ .. وقد بيَّنَ اللهُ Y تخبُّطَ أهلِ الجاهليةِ في هذه المَكيدةِ الإبليسِّية فقالَ تعالى مُبيناً احتِجاجَ قومِ نوحٍ r بهذهِ الشُّبهةِ: (( فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ) )وهذا نبيُّ اللهِ صالحٌ يُواجههُ قومهُ بهذه الحُجَّة الداحِضةِ ، ويتَّهمونه في عقلهِ ، ويردُّون عليهِ دعوتَهُ ويقولونَ لهُ (( قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) ) [هود:62 ]

أرأيتَ أيُّها الأخُ المُباركُ كيفَ استغلَّ دُعاةُ الضَّلالةِ هذهِ المَكيدةَ الإبليسيَّةَ بالإفسادِ في الأرضِ, والكُفرِ باللهِ Y , والتَّلاعبِ بالأديانِ وتَغييرهَا على حَسَبِ أهوائِهم واستحسَاناتهِم وأغراضِهم المتنوِّعةِ،

ولهذا قالَ إمامُ دارِ الهِجرةِ في زمانِهِ ـ الإمامُ مالكُ ابنُ أنس رحمه الله ـ كلمةً عَظيمةَ: ( لنْ يصلُحَ آخرُ هذه الأمَّةِ إلاَّ بِما أصلحَ أوَّلها ) لقدَ صلُحَ حالُ أولئكَ عندما تركوا ما كانَ عليهِ آباؤُهم وأجدادُهم وراءَهمْ ظِهرياً ، وانشغلوا بما يَنفعهمْ من ميراثِ محمَّدٍ r ،

و ستَعودُ للأمَّةِ - بإذن الله تعالى - عزَّتُها المَسلوبةُ،ويرجعُ إليها مجدُها الأثيلُ ، ونصرُها على الأعداءِ ، إن تمسَّكنا بمِاَ تمسَّكوا بهِ واعتصَمنا بمَا اعتصمُوا به قالَ اللهُ تعالى: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ) ) [النور:55]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت