فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وتأكيداً لهذه العزة وهذا التميز لأمة محمد r فقد نهى الله تعالى المؤمنين عن اتباع سبيل الكافرين من اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم من أمم الكفر فنهى الله أهل الإسلام عن التشبه بالكفار وعن تقليدهم والتبعية لهم فقال جل وعلا: ?وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقّ? (3) وقال: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً? (4) . ولاشك عند أولي الأبصار أن تقليد الكفار والتشبه بهم من أعظم صور الطاعة لهم، وقد نهى النبي r عن مشابهة الكفار في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند جيد عن ابن عمر مرفوعاً: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) (5) وفي هذا الحديث غاية التحذير ومنتهى التنفير عن مشابهة الكفار، كيف لا وقد جعل النبي r من تشبه بالكفار منهم نعوذ بالله من الخذلان وقد قال النبي r في بيان خطورة التشبه: (( ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى ) ) (6) ومن علامات تمييز هذه الأمة عن غيرها أن النبي r قد علل كثيراً من الشرائع والأحكام بمخالفة اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الكفر مما يدل على أن مخالفة الكافرين مقصد نبوي شرعي فمن ذلك مثلاً ما أخرجه مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه مرفوعاً: (( خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم ) ) (7) وقال أيضاً: (( خالفوا المشركين وأحفوا الشوارب وأعفوا اللحى ) ) (8) وهذا قليل من كثير في السنة المطهرة ومما يدل على أهمية مخالفتهم وأن مخالفتهم هي سبب الخيرية في الأمة بل سبب لعلو الدين وظهوره بأنه قال: (( لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون ) ) (9) . ومن تأمل كلام أهل العلم على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم علم علماً لا يدخله شك ولا ريب إجماعهم على النهي عن مشابهة الكفار ووجوب مخالفتهم. وذلك لكثرة النصوص الواردة بذلك.
أيها المؤمنون الحريصون على أن تلقوا ربكم بقلوب سليمة استمعوا إلى ما قاله الحبر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: (( وبالجملة فالكفر بمنزلة مرض القلب أو أشد، ومتى كان القلب مريضاً لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة وإنما الصلاح أن لا تشبه مريض القلب في شيء من أموره ) )وبهذا يتبين أن مخالفتهم في جميع الشؤون مقصودة للشارع، فليس النهي عن مشابهتهم في عباداتهم أو عقائدهم فقط بل هو عام في عاداتهم وآدابهم وأخلاقهم وجميع شؤون حياتهم قال ابن القيم رحمه الله: (( ومن تشبه بالإفرنج في لباسهم ونظمهم ومعاملاتهم فهو بلا شك إفرنجي غير مسلم وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ) ).
أيها المؤمنون إنه مع هذه النصوص الكثيرة التي تنهى عن التشبه بالكفار إلا أن النبي r قد أخبر أن مشابهتهم ومتابعتهم ستقع في الأمة فعن أبي سعيد مرفوعاً: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ) ) (10) . وهاهي الأمة اليوم تحاكي أمم الكفر شرقية وغربية في الزي واللباس وتتشبه بهم في آداب الأكل والشرب وأساليب المعاشرة والمخالطة وطرائق الكلام والمعاملة وغير ذلك بل وتتلقى عنهم الأفكار والآراء حتى صاغ فئات غير قليلة من الأمة حياتهم وأفكارهم وأساليبهم على نهج الحياة الغربية والفكر الغربي والأسباب التي دعت هذه الفئام إلى التشبه بالكفار وتقليدهم عديدة. إلا أن من أبرزها الغفلة عن سبب العزة والسعادة الحقيقية فإن كثيراً ممن تشبه بالكفار ظن أن سبب عزة هؤلاء وارتفاعهم هو أخلاقهم وما هم عليه من نبذ الدين وعدم الاهتمام به، وقد غفل هؤلاء عن قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله: ?وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ? (11) .
ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
الخطبة الثانية
أيها المؤمنون إن من الأسباب الرئيسة التي جعلت كثيراً من المسلمين يتشبه بالكفار من اليهود والنصارى الاختلاط بالكفار والانفتاح عليهم وذلك أن هذه العصور شهدت ثورة كبرى في الاتصالات والنقل فقربت المسافات واتصلت الجهات حتى غدا العالم كما يقال قريةً واحدةً، فلما وقع ذلك كثر الاحتكاك بهم والتعامل معهم فأدى ذلك إلى ظهور معالم التشبه والتبعية والتقليد لأمم الكفر في حياة المسلمين وواقعهم فرأينا بعض إخواننا هداهم الله من جعل الغرب وما فيه قدوة له في اللباس والزي وفي الأكل والشرب وفي تصفيف الشعر وقصه بل وتمادى بعضهم حتى قلدوهم في الفكر والرأي فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولا حلَّ لهذه المشكلة إلا بالتقليل من خلطة هؤلاء ووجودهم بين المسلمين فلا يجوز لأحد أن يسافر إلى بلاد الكفر إلا عند الحاجة ويجب أن يكون المسافر عنده من العلم والإيمان والصبر واليقين ما يدفع به شبهاتهم ويتقي به ما في بلادهم من فتن وشهوات تهتز لها الجبال الرواسي. كما أنه يجب علينا جميعاً أن نتعاون على عدم استقدام الكفار إلا عند عدم وجود من يقومون بما يقومون به من أعمال وذلك أن تكاثرهم بين ظهرانينا في بيوتنا وأعمالنا وأسواقنا ومكاتبنا له تأثير بالغ في بث أخلاقهم وإشاعة أفكارهم.
(1) المنافقون: 8.
(2) آل عمران: 139.
(3) المائدة: 48.
(4) الأحزاب: 1.
(5) أخرجه أحمد من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً برقم 5093 وأخرجه أبو داود في اللباس برقم 4031.
(6) أخرجه الترمذي في الاستئذان والآداب من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص برقم 2695.
(7) أخرجه أبوداود في الصلاة برقم 652.
(8) أخرجه مسلم في الطهارة من حديث ابن عمر رضي الله عنه برقم 259.
(9) أخرجه أبوداود في الصوم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 2353 وأخرجه أحمد مرفوعاً برقم 27218.
(10) أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة برقم 7320.
(11) آل عمران: 139.
صالح الونيان
بريدة
جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1 -خطر التشبه بأعداء الإسلام 2 - التشبه يؤدي إلى المحبة والألفة 3 - الإحتفال بالأعياد المحدثة 4 - صور في التشبه بالكفار 5 - التخنث في الإعلام
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المسلمون:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه لا عز لنا ولا فلاح ولا نجاح إلا باتباع صراط الله المستقيم.
قال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [الأنعام:153] .
واتباع الرسول فيما جاء به هو الوسيلة إلى الوصول إلى الصراط المستقيم، الذي لا يزيغ عنه إلا هالك مريض.
عباد الله!
لقد انتشر في زماننا هذا أمراض غريبة، جرف سيلها أكثر الناس، لا أقول: إنها أمراض جسمية؛ فتلك أخف، بل هي أمراض فكرية، والأمراض الفكرية أشد فتكاً من الأمراض الجسمية.
ألا وإن من تلك الأمراض: مرض التشبه بأعداء الإسلام.
والتشبه بالأعداء محرم؛ فعن ابن عمر، عن النبي ؛ أنه قال: (( من تشبه بقوم؛ فهو منهم ) ) (1) .
فالتشبه بالكفار تنكر للإسلام، واستبدال لتعاليمه بغيره، وكفى بذلك إثماً.