فهرس الكتاب

الصفحة 7954 من 9994

وتلك سنة الله في عباده: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) ) (الأحزاب: 69،70) .

وقبل الذهبي كشف الإمام أحمد رحمه الله أسباب كثرة الكلام والتهم على العالم من أقرانه ومعاصريه فقال: (( اعلموا رحمكم الله تعالى أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئاً من العلم وحرمه قرناؤه وأشكاله حسدوه، فرموه بما ليس فيه، وبئست الخصلة في أهل العلم ) ) [15] .

أي وربي صدق الإمام أحمد، وبئست الخصلة في أهل العلم إنها الماحقة للدين، والموغلة بصدور المؤمنين، والميدان الرحب يفرح به المغرضون والمنافقون وتلك بضاعة الشيطان يصد بها المسلمين عن ذكر الله وشكره وحسن عبادته وهو يصور لهم أن ذلك هو الجهاد الحق وإنه أولى من جهاد الكفار والمنافقين، وأن كشف زيف هؤلاء أولى وخطرهم على الدين أشد وأقضى.

وهكذا يزين الشيطان لبعض الناس ويتلاعب بعقولهم حتى تصبح الردود والتهم شغلهم الشاغل بها ينصرفون عن البناء وإكمال مسيرة العلماء، وبها ينسون عيوبهم وسبل إصلاحها ويشتغلون بعيوب الآخرين ويتزيدون فيها.. والمسلم الحق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأربى الربى استطالة المرء في عرض أخيه، كما جاء في الحديث، وفي الرواية الأخرى: (( أربى الربا شتم الأعراض ) ) [16] .

إخوة الإيمان: أما كيف تعامل العلماء قديماً مع هذه الخلافات والنجوى..وماذا ينبغي أن يتعامل به الناس حديثاً، فهو طي هذا اللغط وإهمال أصحابه، والحرص على ردم الهوة بين المسلمين، وعدم مجاراة المغرضين فلا يعني السكوت على ترديد الشائعات والتهم الضعف والخور بقدر ما يعني التعقل والثقة والانشغال بالأهم، وسيكفي الله عباده الصالحين شر الأشرار وكيد الفجار، والله تعالى يدافع عن الذين آمنوا، والحق مهما اختلط بغيره فلا بد أن يظهر أصحابه، والباطل مهما تستر أصحابه فلا بد أن يكشفهم الله ويفضحهم في جوف دارهم..وما ربك بغافل عما يعملون، ولا يظلم ربك أحداً، والعاقبة للتقوى.

حول هذا المنهج قال الإمام الذهبي رحمه الله كلاماً طويلاً أقتبس منه العبارات التالية: (( كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه بل يطوى ولا يروى، ثم تحدث عما شجر من الصحابة وقال: إن أكثره منقطع وضعيف وبعضه كذب.. فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة و الترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، إلى أن قال: ثم تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض وتحاربوا وجرت أمور لا يمكن شرحها فلا فائدة في بثها، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه، ولحوم العلماء مسمومة.. إلى آخر كلامه [17] .

ألا فليتق الله أولئك الذين يروجون الشائعات ويلصقون التهم ويكتبون الكتابات ويتزيدون في التأويلات، ويتدخلون في تفسير المقاصد والنيات.. وتلك لا يعلمها إلا عالم السر والخفيات.

وعلى من اتهم في دينه أو عرضه بغير حق أن يصبر ويحتسب، ويتجرد عن حظوظ النفس والهوى، وأن يقوم بالقسط والعدل كما أمر الله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) (المائدة: 8) .

وينبغي أن يستقر في أذهان المسلمين أن الخلاف في الرأي دون هوى ليس مسوغاً للفرقة والاختلاف وملغياً لحقوق إخوة الإسلام، وتأملوا هذه اللفتة الطيبة عن الإمام الشافعي: يقول يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة.

ثم يعلق الذهبي على ذلك ويقول: قلت: هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه، فمازال النظراء يختلفون [18] .

فهل يفقه المسلمون أدب الخلاف، وهل يتقون الله حين الاتفاق أو الاختلاف، وهل يلتفت العقلاء إلى خطط الكافرين ومكائد المنافقين، وأطماع اليهود والنصارى والمجوس والمشركين فذلك أولى وأحرى من تصويب السهام في صدور المسلمين، والحط من قدر العلماء والدعاة المجتهدين.. إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.والموفق من وفقه الله والمعصوم من عصمه الله.. اللهم اعصمنا من الزلل وطهر قلوبنا وألسنتنا من الغل والحقد والكذب.

[1] سير أعلام النبلاء 10/48 .

[2] السير 10 / 54 .

[3] السابق 10 / 58 .

[4] نفسه 10 / 82 .

[5] السير 10 / 45 .

[6] السير 10 / 82 .

[7] السابق 10 / 36 .

[8] السابق 10 / 35 .

[9] السابق 10 / 35 .

[10] السابق 10 / 35 .

[11] السابق 10 / 33 .

[12] السير 10 / 31، 32 .

[13] سير أعلام النبلاء 10/ 75- 76 .

[14] السير 10 / 9 .

[15] السير 10 / 58 هامش (1)

[16] صحيح الجامع 2/ 300 .

[17] سير أعلام النبلاء 10/92 - 94 .

[18] السير 10 /16، 17.

بشارةٌ للمؤمنين وذكرٌ لصفاتهم

الحمد لله رَبَّ العالمين ، نَزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين ، اللهم صَلِّ وسَلِّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .. أَمَّا بَعْدُ:

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) (الحديد:28) .

إخوة الإيمان: لقد حَكَمَ الله ـ عَزَّ وجل ـ بالخسران على جميع البشر إلا صنفاً واحداً ، وحزباً موحّداً هم حزبُ الله (( أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) (المجادلة:22) .

قال الله -جَلَّ ثناؤه - وتقدّستْ أسماؤه - بسم الله الرحمن الرحيم (( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ) (سورة العصر) .

لقد شَهِدَ الله ـ عِز وجل ـ لهذا الصنف بالفوز والفلاح ، والعِزّةِ والنجاح اقرءوا إن شئتم (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ) (المنافقون: 8) .

وقال عَزَّ وجل: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) (البقرة: 2-5) .

هُمْ أهلُ الإيمان الصادق ، العملِ الصالح الذين يرثون الفردوسَ هم فيها خالدون وقال الله تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ) (البقرة: 82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت