فلما اشتد البلاء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نافق ناس كثير، وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول: والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة والبلاء فإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا، وأن يدفع الله عز وجل مفاتح الكعبة، وليُهْلِكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله، فقال رجل ممن معه لأصحابه: ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نغنم كنوز فارس والروم ونحن هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب إلى الغائط، والله لما يعدنا إلا غرورا، وقال آخرون ممن معه: ائذن لنا فإن بيوتنا عورة، وقال آخرون: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا)0 إنه لموقف عظيم، وتثبيت عجيب، يعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالأمن وهم في شدة الخوف، ويبشرهم بكنوز الأمم وهم في عوز وجوع ومخمصة، ويذكر لهم فتح المدن الكبرى في وقته وهم محاصرون في المدينة، وبينه وبين المدن التي بشر بفتحها أميال وأميال 0إنه الإيمان بالله تعالى، والثقة به، وتصديق وعده، إنه ثبات لا تزعزعه المحن، ولا تميد به الفتن، بل تزده شدة وصلابة في الحق، وإصرارا على تبليغ دين الله تعالى، فثبت المؤمنون معه، وفرحوا بهذا الفأل وهذه البشارة {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً } وأما المنافقون فقالوا ما قالوا، وخذلوا وأرجفوا، وذهبوا خاسئين مذمومين، وكذبوا وصدق الله ورسوله، وجاء الأمن بعد الخوف، والغنى بعد العوز، ودخل المسلمون مكة وطافوا بالبيت، ودحر أهل الشرك والوثنية، وفتحت المدن التي بشر النبي صلى الله عليه وسلم بفتحها، وجلبت إلى المدينة كنوزها، ووضعت بين يدي عمر رضي الله عنه، أنطاع عليها الأموال العظيمة من ذهب وياقوت وزبرجد ولؤلؤ يتلألأ، فقال رضي الله عنه:أين سراقة بن جُعْشُم فأُتي به أشعرَ الذراعين دقيقَهما، فأعطاه عمر سواري كسرى، فقال: ألبسهما، ففعل فقال: قل: الله أكبر، قال: الله أكبر، قال: قل: الحمد لله الذي سلبهما من كسرى بنِ هرمز وألبسهما سراقةَ بن جُعْشُم أعرابيا من بني مُدْلج0إن حالكم يا عباد الله في هذا الزمن كحال أسلافكم من قبل فتنة وامتحانا وابتلاء، وإن تفاوت ذلك بين قليل وكثير، وشديد وأشد، وسيكون في الأمة منافقون كما كانوا من قبل وسيكون في المسلمين سماعون لأراجيفهم وأباطيلهم، وتخويفهم بالكافرين كما كان ذلك في الصدر الأول، وسيثبت رجال في عصرنا هذا رغم شدة البلاء، وعظم الكرب، قد امتلأت قلوبهم إيمانا بالله تعالى، وثقة بنصره، وتصديقا بوعده، فإن أدركوا وقت النصر فازوا بالحسنتين حسنة الدنيا والآخرة، وإن قبضوا قبل ذلك لقوا ربهم ثابتين على دينهم، مستمسكين بشريعتهم، فكونوا يا عباد الله منهم؛ فإنهم قليل في خلق كثير0
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } 0بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم0
الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، واشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،؛ بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وحجة على الخلق أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين0
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } 0
أيها المسلمون:
منذ أن ابتلى الله عز وجل المسلمين باستيطان اليهود في فلسطين المحتلة، ومنطقة الشرق الإسلامي لم تهنأ بعيش، ولا نعم أهل فلسطين بأمن؛ ذلك أن الاحتلال الاستيطاني هو شر أنواع الإحتلال، ولا يكتب له النجاح إلا بإبادة شاملة لأهل البلاد الأصليين، وتهجير من يبقى منهم كما فعل الكاثوليك بالمسلمين في الأندلس، والبروتستانت بالهنود الحمر في أمريكا، ولم ينجح اليهود في هذا المسعى الآثم بفضل الله عز وجل ثم بثبات المسلمين في الأرض المباركة، وتمسكهم بحقهم في بيت المقدس، وزاد من مشكلة الاستيطان اليهودي أنهم محاطون بأعدائهم، وقد لعب بهم من وطنوهم في أرض ليست لهم، وزرعوهم في وسط أعدائهم؛ ولا بقاء لليهود إلا بافتعال الحروب في المنطقة، وهذا دأبهم منذ أن احتلوا الأرض المباركة، ويصرح ساستهم بذلك فرئسهم الهالك بيجن يقول (نحن نحارب، فنحن إذن نكون) 0 ومن سياستهم المعلنة أنهم في كل عشر سنوات لا بد أن يشعلوا حربا جديدة، وقد يقلصون المدة إذا دعتهم الحاجة إلى ذلك، وفي هذا يقول شامير (يتعين علينا في كل عشر سنوات مرة أن نُجِلسَ العرب على كرسي طبيب الأسنان، كي نقلع أسنانهم التي نبتت حتى لا يعضونا بها) 0 وقد أخبرنا القرآن عنهم بأنهم يسعون بالفساد، ويشعلون الحروب، وكان ما رأى المسلمون منهم لا يعدو قول القرآن فيهم { كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } ، فقطار السلام، لا يركبه اليهود إلا للوصول عبر محطاته إلى ميدان الحرب؛ وهذا أمر واضح لمن راقب أحوال القوم في القديم والحديث0ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه سبحانه يطفئ نار الحروب التي يفتعلونها، ويرد كيدهم وكيد حلفائهم في نحورهم، ومن المبشرات العظيمة أن إطفاء نيران حروبهم دليل على هزيمتهم وخسرانهم، ومشعر بنهاية أمرهم، واضمحلال دولتهم، وهذا ما ينذر به مؤرخوهم ومحللوهم بعد فشلهم في عدوانهم على لبنان؛ فالحمد لله الذي أطفأ نار حربهم، وكسر شوكتهم، وردهم خاسئين خاسرين0 وعلى المسلمين ألا يخدعوا بيهود ومن وراءهم، وبمادراتهم ومشاريعهم التي تريد من المسلمين الاستسلام الكامل لهم، وجعل مفاتيح المنطقة بأيديهم، فهم قوم غدر بهت لا يوقفهم عن أطماعهم، ولا يردهم عن غيهم وإفسادهم إلا القوة، ولا قوة للمسلمين إلا بالله تعالى، ولا نصر لهم إلا بنصر دينه، وإعلاء كلمته، وتحكيم شريعته {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } فانصروا الله تعالى أيها المسلمون بالاستمساك بدينه، والثبات عليه، وعدم التنازل عن شيء منه مهما كلف الأمر0 انصروه سبحانه بتحكيم شريعته في القليل والكثير، والصغير والكبير، والجليل والحقير، اعملوا بشريعته في أنفسكم وأهلكم وأولادكم وأموالكم، وراقبوا الله تعالى في ذلك ولا تراقبوا خلقا مثلكم0 انصروه بإقامة فرائض دينكم، ومجانبة ما نهاكم عنه ربكم، انصروه سبحانه بأداء الأمانات التي أثقلت كواهلكم، وتحمل المسؤوليات التي عليكم0انصروه سبحانه بالثقة به وبدينه، وأنه الحق الذي لا باطل فيه، وأن ما عارضه فهو الباطل الذي لا حق فيه0انصروه بإخلاص العمل له، وكثرة الالتجاء إليه، والاعتصام بحبله، والتوكل عليه؛ فإنكم إن فعلتم ذلك نصركم الله تعالى على أعدائكم، ولن تقف قوة مهما بلغت أمامكم؛ لأن الله تعالى معكم {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} 0وصلوا وسلموا على ربكم000
الخطبة الأولى