فهرس الكتاب

الصفحة 7834 من 9994

من نظر في أحوال المسلمين، وما أصابهم من ضعف وهوان، وتفرق واختلاف؛ أيقن بأن عللهم كثيرة، وأدواءهم خطيرة، وقد شملت مجالات كثيرة؛ ففيهم من العلل السياسية ما جعلهم مستضامين مستضعفين، يستجدون غيرهم الوقوف معهم، ويطلبون الحماية من غيرهم، وأعداؤهم يشعلون الحروب في أراضيهم ويوقفونها متى أرادوا، ولا مشورة لهم في ذلك، بل ويصدرون عليهم من القرارات ما يضعفهم، ويشترطون عليهم من الشروط ما يزيدهم ضعفا إلى ضعفهم، وذلة إلى ذلتهم0وفيهم من الأدواء الاقتصادية ما جعل أكثر الدول الإسلامية عالة على غيرهم، يشترون خبزهم ببيع سيادتهم، ويهدرون كرامتهم في سبيل بقائهم، وقد غلَّتهم الدول المستكبرة بالمساعدات والقروض الربوية، وثرواتهم لغيرهم وليست لهم، ولا يسمح أعداؤهم لهم بالعتق من رقه وأسره، حتى إذا ما أراد العدو افتراس بلد مسلم، وهبَّتْ الدول الإسلامية لنجدته رفع الأصدقاء الأعداء أوراق المساعدات والقروض في وجهها، فلا يقدرون على حراك معها، وأعلى نسبة فقر عالمية هي في بعض دول أهل الإسلام0 وفي المسلمين من الأدواء الإعلامية والثقافية ما أفقد كثيرا منهم شخصيتهم، وأذابهم في المناهج المنحرفة، ومن رأى إلى أكثر القنوات الفضائية العربية والصحف والمجلات علم أنها لا تمثل شخصية الأمة، ولا تدافع عن حقوقها، ولا تسعى لنشر دينها وثقافتها، بل هي أشد ما تكون حربا على دين المسلمين وقيمهم وأخلاقهم، في مقابل الدعاية والترويج للمناهج المنحرفة، والسلوكيات المنحطة، والأخلاق الرديئة، عن طريق استنساخ كامل لبرامج ملاحدة الغرب وفساقهم0وفي المسلمين من أدواء التفرق والاختلاف ما يجعل ثقة كثير منهم في أعدائهم أكثر من ثقتهم في إخوانهم، والخيانات المتتابعة التي مرت بها قضية فلسطين مثال شاهد على ذلك، سواء في عهود الحروب والمدافعة، أم في مراحل التفاوض والسلام والمناقشة، التي وقَّعها الأعداء مع كل دولة على حدة؛ ليزيدهم ضعفا إلى ضعفهم، وتفرقا إلى تفرقهم0 ومع هذه العلل المهلكة، وتلك الآفات المردية، يأتي المنافقون بهمتهم ومهمتهم في القضاء على هذه الأمة بالتخذيل والإرجاف، والوعيد والتخويف إن أصر المسلمون على دينهم، ولم يحيدوا عن قرآنهم، زاعمين أن بلاء المسلمين وانكسارهم وتخلفهم إنما كان بسبب الموروثات القديمة التي لا تناسب الزمن، مؤكدين على أن الأمم الأخرى ما تقدمت وعزت وانتصرت إلا لما نبذت موروثاتها وراءها ظهريا، فزاد هؤلاء المخذلون والمرجفون في ضعف الأمة وتمزقها وتقهقرها0 إنها أدواء عظيمة، وفتن كبيرة، أصابت كثيرا من المسلمين في مقاتلهم، وطاشت بها عقولهم، فتغيرت قناعاتهم، وتبدلت مواقفهم، وصاروا أبوقاء للأعداء بدل الدفاع عن حقوقهم، ودعاية للمناهج المنحرفة بدل الدعوة إلى دينهم، ولقد شهدنا في خضم هذه الفتن والمحن تحولات كثيرة من الإيمان إلى النفاق، ومن الإسلام إلى الزندقة والإلحاد، ومن الدعوة إلى التمسك بالشريعة إلى الإصرار على التفلت منها، بل رأينا وسمعنا ذوي دعوة وحجى قد نقلوا أحاديثهم عن الإسلام إلى المذاهب الإنسانية، والإخاء البشري، وانتقلوا في استدلالاتهم من نصوص الوحيين إلى أقوال المفكرين الغربيين0 وأصابت هذه الأدواء المهلكة جمهور المسلمين باليأس والإحباط؛ لأنهم يرون أحوال المسلمين من سيء إلى أسوأ، ولم يثبت على قناعته بدينه كله، ولم يتنازل عن شيء منه إلا نُزُّاع من العلماء والدعاة والصالحين في كل بلد من بلدان المسلمين0 إن الناس في حال السلامة والعافية يثبتون، ولكن إذا تعاظمت الفتن، واستحكمت المحن، وازدادت الشرور، وتسلط الكافرون والمنافقون فلا يثبت إلا من ثبته الله تعالى من أفذاذ الرجال، ويوم ارتد المرتدون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت إلا الصديق أبو بكر رضي الله عنه، فثبت الله تعالى الأمة بثباته رضي الله عنه، ويوم قالت المبتدعة بخلق القرآن، وامتحنوا الناس على ذلك لم يثبت على كثرة العلماء في ذلك الوقت إلا أحمد بن حنبل؛ فرفع الله تعالى بثباته المحنة، ونصر السنة0إن المسلمين إزاء هذه الأحوال المتردية، والفتن المتلاطمة أحوج ما يكونون إلى استحضار هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ فقد أوذي صلى الله عليه وسلم، وأوذي أصحابه رضي الله عنهم، وهُجِّروا من ديارهم، واجتمعت عليهم قوى الشر والطغيان في ذلك الوقت، وما رأينا النبي صلى الله عليه وسلم متنازلا أو مغيرا، ولا يائسا محبطا؛ بل تحكي سيرته عليه الصلاة والسلام أنه في حال المحن والفتن، واشتداد الكرب، واجتماع الناس عليه وعلى دعوته، يكون أشد ثباتا وعزما، وأكثر تفاؤلا واستبشارا، وقد زخرت سيرته العطرة بأمثلة كثيرة على ذلك0وفي أول الإسلام شكى المستضعفون من المؤمنين رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلقون من المشركين وقالوا له: (ألا تستنصرُ لنا ؟ ألا تدعو الله لنا ؟ قال عليه الصلاة والسلام: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ أو الذئبَ على غنمه ولكنكم تستعجلون) رواه الشيخان0 لقد حثهم عليه الصلاة والسلام على الثبات، وحكى لهم أخبار الثابتين ممن كانوا قبلهم، وبشرهم بالنصر رغم حالة الضعف التي يعيشونها0وفي غزوة الخندق تحزبت الأحزاب على المسلمين، وحاصروا المدينة، ونقضت يهود من داخل المدينة عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتد الكرب، وعظمت المحنة، ويكفي في وصف ذلك الموقف العصيب قول الله تعالى {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً } ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان واثقا بربه، موقنا بوعده ونصره، وكان في تلك الشدة يبشر أصحابه بالكنوز والفتوح والنصر؛ كما روى البراء بن عازب رضي الله عنه فقال: (لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفر الخندق عرض لنا فيه حجر لا يأخذ فيه المعول، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال: بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الآن من مكاني هذا، قال: ثم ضرب أخرى وقال: بسم الله وكسر ثلثا آخر وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب ثالثة وقال: بسم الله فقطع الحجر وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر باب صنعاء) رواه أحمد0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت