فهرس الكتاب

الصفحة 5343 من 9994

#شكوى رمضانية

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

ها هي هذه الأيام وقد أقبل علينا فيها شهر الصيام ، هذا هو موسم التقوى الذي جعله الله سبحانه وتعالى لأمة الإسلام: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } ، هذه ليالي الإيمان والذكر والبر والإحسان، هذه أوقات الطاعة والمنافسة في الخيرات والإنفاق في سبيل الله ..

هذا موسم التطهر والمغفرة من الذنوب والخطايا ، هذه أيام وليال مباركات وموسم عظيم الخيرات، هذه شعيرة وفريضة مباركة جعلها الله لعباده المؤمنين رحمة منه وتفضلاً ، تجديداً لإيمانهم ، وتقوية لعزائمهم ، وتربية لنفوسهم ، وصياغة لعقولهم ، وتذكيراً بأمتهم ، وتأكيداًَ على وحدتهم ، ومنافع أخرى نعلم منها ما نعلم ويخفى علينا ما يخفى .

ورغم هذا الخير العميم الذي ساقه الله إلينا إلا أننا نرى صوراً من التقصير ، وألواناً من المخالفات ، ونرى نماذج من التكاسل والتخلف عما ينبغي أن يكون عليه المؤمن في هذه المواسم المباركة ، ولذلك لا يخفى على المسلم الفرق الكبير والبون الشاسع بين ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام وسلف الأمة - رضوان الله عليهم - في اغتنام الأوقات ، و المسارعة إلى الخيرات ، وبين ما حل بالأمة من ضعف الإيمان ، ومن تقصير في الطاعات ، ومن إغراق في الشهوات ومن تعد على الحرمات .

وهذا هو رمضان يشكو حاله ها هو رمضان يعاتب المقصرين من أبناء هذه الأمة ، ولذلك وقفاتنا اليوم في أول يوم من أيام هذا الشهر وبداياته قبل أن يمضي شيئاً فشيئاً فينتصف ، ثم يتحول إلى نصفه الثاني ويوشك أن ينقضي، فمن غانم ومن محروم ومن مغفور له ومن آثم مأزور، ولذلك صور هذا التقصير وهذه الشكوى كثيرة جداً:

صور التقصير

أولاً: عدم القيام بالفريضة وعدم الأداء للصيام والفطر في شهر رمضان

وقد يقول قائل: وهل هذا موجود في أمة الإسلام ؟ بل قد يتساءل بصورة أخص: هل هذا موجود في المجتمعات التي تعيش في جزيرة العرب قرب الحرمين الشريفين ؟ نقول بكل أسى وأسف: إنها ظاهرة موجودة ، وإنها تزيد عاماً بعد عام ، رغم كثرة الخير وإقبال المصلين ودعاء الداعين وقنوت الساجدين ، نرى ذلك - وللأسف الشديد - في بعض الشباب الذين غرقوا في الشهوات وأعرضوا عن أمر الله عز وجل .

إن ترك فريضة من الفرائض وركن من الأركان هو كبيرة من أعظم الكبائر ، وإن المستحل لهذا الأمر يعتبر كافراً خارجاً عن ملة الإسلام، وإن المتهاون المستهتر يكون على خطر كبير أن يخرج من الدين أيضاً لأنه يستهزأ بشرائع الله ولا يأبه بحكم الله ولا يكترث بما شرعه الله وأوجبه على العباد، ولذلك ليكن أمثال هؤلاء في مجتمعاتنا موضع النقد والزجر الشديد وموضع الوعظ والتذكير ثم التنبيه والتحذير، ثم يكن بعد ذلك أخذهم بجريرة فعلهم حتى لا يسهلوا للناس ترك الطاعات وحتى لا يجرئهم على الاعتداء على أوامر الله سبحانه وتعالى .

ثانياً: عدم شهود الجماعات وأداء الصلوات في الأوقات

ولئن كانت هذه الظاهرة ليست منتشرة انتشاراً كبيراً بحمد الله - عز وجل - فإن الظواهر الأخرى التي يشكوا منها رمضان ، والتي يعتب فيها على أهل البر والإيمان هي ذلك التخلف، فبعد المعرضين يأتي المتخلفين ، الذين يتخلفون عن العبادات وعن شهود الجماعات ويقصرون في الطاعات، فتجد كثيرين ممن يصومون لا يحرصون على أداء الصلوات في الجماعات ولا أدائها في الأوقات ، فتجد هؤلاء قد جعلوا الصيام كأنه حمل ثقيل فإذا بهم يجدوا أنفسهم قد عجزوا معه عن أن يقوموا بفعل من أفعال الخيرات وأن يغتنموا هذه الأوقات .

ولذلك نجد أيضاً بعض من يصومون ولا يصلون ، وما فقهوا أنه لا ثمرة للصيام إلا بالصلاة وأنه لا تمام ولا كمال لأداء هذه الفريضة إلا مع ما أوجب الله من سائر الفرائض، بل لا تتم إلا بما ندب الله إليه من كثير من الطاعات والمندوبات التي يكمل بها الإيمان ويعظم بها أثر صيام رمضان، ولذلك هذه الجماعات التي تزيد - بحمد الله - في رمضان، نعلم كذلك أن هناك من يفرض ومن لا يشهد المساجد إلا في الجمع مع أن هذا الأمر قد ذكر أهل العلم وجوبه عند أكثرهم وأن الجماعة واجبة وأنه لا عذر للمتخلف عنها وأنه ناقص في أجره بل ربما يلحقه الإثم إذا لم يلحق جماعة المسلمين ولم يشهد مساجدهم ولم يغشهم في صلواتهم ودعائهم وتبتلهم لله رب العالمين .

وفي الحديث عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يؤكد وجوب الجماعة ولزومها: ( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت