فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فإذا كانوا الثلاثة في بادية وهم متفرقون لزمهم أن يجتمعوا وأن يصلوا في الله في الجماعة فكيف بالمدن والحواضر التي ملأت بحمد الله بالمساجد ، والتي يُؤذّن فيها كل يوم خمس مرات ويدعى فيها إلى الصلاة ويندب فيها إلى الفلاح .
ومع ذلك يتخلف المتخلفون ويقصر المقصرون وكنا من قبل هذا الشهر لا نرى وجوهاً كثيرة ترتاد المساجد ثم نراها في أول الشهر ، وتتناقص - للأسف الشديد - بعد مرور أيامه وبعد تتابع لياليه ، ثم لا تلبث إلا من رحم الله أن تنقص بعد انقضاء الشهر وتترك المساجد خاوية على عروشها تشكوا إلى الله قلة عُمّارها ، وتندب ذهاب ساجديها وتالي القرآن فيها ، فما بالكم يا عباد الله تتركون الخير الذي ساقه الله إليكم ، والأماكن التي جعلها مواضع لبيوته عز وجل وجعل فيها مضاعفة الحسنات ونزول الرحمات، وجعل فيها دعاء الملائكة وتتابعهم من الأرض إلى أعلى السموات .
فما بال العبد لا يفطن إلى خيره ، ولا يفكر في عاجل أمره وآجله ! ما بالنا وقد زهدنا فيما عند الله من الثواب ! ما بالنا وقد استغنينا عما ساقه الله لنا من الخيرات ، ونحن نعلم أنا قد حملنا فوق ظهورنا أوزاراً مع أوزار كثيرة لا يعلمها إلا الله ! .
والنبي - عليه الصلاة والسلام - والصحابة والسلف - رضوان الله عليهم - مع كونهم أبعد الناس عن المعاصي كانوا أسبق الناس إلى الطاعات، وكانوا أكثر الناس منافسة في الخيرات وأن أحدهم ربما يمرض المرض الشديد فيؤتي به وهو يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف لئلا تفوته الجماعة رغم أنه قد عذر بعذر من الله - عز وجل - إلا أنه لا يجد في هذا العذر فرصة سانحة ليتخلف عن هذا الأمر العظيم وعن هذا الأجر الكبير .
ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مبيناً خطورة هذه الظاهرة وهي الاكتفاء بالصلوات في البيوت دون شهود الجماعات في المساجد، قال عليه الصلاة والسلام -كما صح في مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ( ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصليها هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ) ، فهل نحن ندعي حب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أم أننا نحبه حقيقة .
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
فهو النبي - عليه الصلاة والسلام - الذي قد اشتد غضبه وتعاظم غيظه وتزايد زجره وتهديده وتوعده ووعيده لمن تخلف عن الجماعة ، كما قال فيما صح عنه عليه الصلاة والسلام: ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة في المساجد فأحرق عليهم بيوتهم ) ، فهل نحن نريد أن نكون ممن همَّ النبي أن يحرق بيوتهم من شدة إنكاره عليهم .
ورغم أننا في رمضان كذلك يشكو من هؤلاء الذين يتخلفون عن الجماعات حتى في أعظم موسم من مواسم الخير والطاعات وحسبنا أن بعضاً منا يستسلم لنومه ويركن لراحته ويفوت صلاة أو اثنتين كما يفوت الناس الفجر في غير رمضان؛ فإننا نجد كثيرين يفوتون الظهر والعصر في رمضان وحسبنا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه: ( من ترك صلاة العصر عمداً فقد حبط عمله ) .
وما أخبر عنه - عليه الصلاة والسلام - أن من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ، أي كالذي ينقلب إلى بيته فيجد أهله قد ماتوا عن بكرة أبيهم ، ويجد ماله قد تلف فلم يبق منه شيء ، فما أعظم خسارته ! وخسارة هذا الذي ضيع الصلاة أعظم ، ولذلك يشكو رمضان من هؤلاء المتخلفين المقصرين .
ثالثاً: التبرم والكسل
ويشكو ثالثة من المتبرمين الكسالى الذين لا يجدون في هذا الشهر إلا صورة من الإرهاق والتعب،ويصورون رمضان على أنه معول من معاول هدم القوة والنشاط وإضعاف العمل والإنتاج، فلا تجدهم إلا نائمين ، ولا تراهم إلا متكاسلين ، ولا تسمع منهم إلا كلام المتبرمين، ولا شك أن الذي يعمل الطاعة من غير نية خالصة ومن غير محبة صادقة لن يأتي بها على تمامها ، وأنه ينقص عليه من أجرها، فالذي يصوم وهو يستثقل الصوم ويطلب الأيام والليالي ليخرج منه وليبعد عنه وليتخلص منه إذا جاز التعبير ؛ فإنه ما أدرك العبادة حق إدراكها ولا عرفها حق معرفتها ولا ذاق لذتها ولا شعر بحلاوتها ولا نال عظيم أجرها .
ولذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بعض هؤلاء عندما قال: ( كم من صائم ليس له من صيام إلا الجوع والعطش وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب ) ؛ لأنه لم يخلص لله ولأنه ما قام إلى هذا العمل إلا وهو متبرم متضايق، نفسه حرجة وصدره ضيق وقلبه نافر ونفسه غير قابلة فما كأنه يؤدي عملاً إلا وهو مكره، وقد وصف الله أهل النفاق عياذاً بالله فقال جل وعلا: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ) .