فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن الناس من إذا أحدث ذنبا سارع بالتوبة، قد جعل من نفسه رقيبا يبادر بغسل الخطايا إنابة واستغفارا وعملا صالحا، فهذا حري أن ينضم في سلك المتقين الموعودين بجنة عرضها السماوات والأرض ممن عناهم الله بقوله: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين [آل عمران:135، 136] .
فهذه حال الفريقين أيها المؤمنون، فاتقوا الله وأنيبوا إليه...
(1) صحيح، أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب تحريم الظلم، حديث (2577) .
(2) صحيح، صحيح البخاري: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله ، حديث (7507) ، وصحيح مسلم: كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب... حديث (2758) .
(3) إسناده ضعيف، مستدرك الحاكم (1/544-545) وقال: رواته عن آخرهم مدنيون لا يُعرف واحد منهم بجرح. قلت: قال ذلك مع أنه قد تكلم في شيخه إسماعيل بن محمد الشعراني، انظر ميزان الاعتدال (1/408) ، وفي إسناده من لم أجد له ترجمة. وضعفه الألباني، ضعيف الجامع (4101) ، والسلسلة الضعيفة (4062) .
(4) إسناده حسن، مستدرك الحاكم (1/59) ، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (17/287) ، قال الهيثمي في المجمع (10/200) : إسناده حسن.
(5) صحيح، صحيح مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا... حديث (666) .
(6) صحيح، صحيح مسلم: كتاب الطهارة - باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة... حديث (233) .
(7) صحيح، صحيح مسلم: كتاب الجمعة - باب فضل من استمع وأنصت... حديث (857) .
(8) صحيح، صحيح البخاري: كتاب المرضى - ما جاء في كفارة المرض، حديث (5640) ، وصحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه... حديث (2572) .
(9) صحيح، أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه... حديث (2572) .
(10) 10] إسناده صحيح، أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الجنائز - باب الحسبة في المصيبة (1/236) بلاغاً، ووصله ابن عبد البر في التمهيد (24/180) عن مالك عن ربيعة الرأي عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن أبي هريرة مرفوعاً به، وهو إسناد صحيح، ثم قال ابن عبد البر: لا أحفظه لمالك عن ربيعة عن أبي الحباب إلا بهذا الإسناد، وأما معناه فصحيح محفوظ عن أبي هريرة من وجوه. ثم ذكرها.
عابد بن عبد الله الثبيتي
الطائف
غير محدد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-كل بني آدم خطاء. 2- التوبة مقام الأنبياء. 3- الحث على التوبة في الكتاب والسنة. 4- فضل التوبة. 5- التحذير من التهاون بالتوبة. 6- الصادون عن التوبة.
الخطبة الأولى
أما بعد: أيها المؤمنون، اتقوا الله حق تقواه، وتوبوا إليه وأنيبوا، فإن التوبة من الذنوب منزلة عظيمة من منازل الدين، مدح الله أهلها، وأفاض عليهم بمنه وكرمه ورضاه. واعلموا ـ أيها المؤمنون ـ أن النقص في بني آدم وصف لازم، فإن كل بني آدم خطاء، ولا عصمة لهم من الخطأ، ولكن الخير كل الخير فيمن إذا أخطأ تاب وأناب واستغفر، وخير الخطائين التوابون.
إن التوبة والإنابة مقام عظيم من مقامات النبوة، ابتدأه آدم عليه السلام حين عصى ربه فتاب وأناب، فتاب الله عليه، فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37] . وتتابع الأنبياء والرسل من بعده، وما زال أتباعهم يتسابقون في التوبة والإنابة إلى ربهم كما حكى الله عن كثير منهم في كتابه، بل وصفهم ومدحهم بالتوبة والإنابة، حتى جاء إمامهم وخاتمهم نبينا محمد فرفع لواء التوبة ودعا إليها بقوله وفعله، فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: (( والله، إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) )أخرجه البخاري، وعن الأغر بن يسار المزني قال: قال رسول الله: (( يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة ) )رواه مسلم.
وقد تضافرت النصوص من القرآن والسنة بالدعوة إلى التوبة، يقول الله عز وجل: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8] ، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:54] ، وقال: (( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ) )رواه مسلم.
ولقد فتح الله باب التوبة لكلّ عبد، ووعد بقبولها فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110] . بل قال في أصحاب الأخدود الذين قتلوا المؤمنين: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10] ، قال الحسن البصري رحمه الله:"انظروا إلى هذا الجرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة".
بل لقد حذر سبحانه من القنوط من رحمته فقال: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] ، قال ابن عباس: (من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله) . وقال أيضا مذكرا بالتوبة وحاثا عليها: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17] ، أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:104] ، وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25] .
وما كل هذا الاعتناء بالتوبة إلا لما لها من الفضائل العظيمة، فهي سبب للفلاح والسعادة في دار الدنيا والآخرة، وهي كذلك سبب لتكفير السيئات، بل إبدالها بحسنات، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8] .