هذا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام يتبرأ من أصنام قومه ، ويعلن فقره لله تعالى في كل شئونه الدنيوية والأخروية ( قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون ، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ، الذي خلقني فهو يهدين ، والذي هو يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي يميتني ثم يحيين ، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) .
اعتراف منه عليه السلام بفضل الله تعالى عليه ، وإعلان الفقر والحاجة إليه ، وتعداد نعمه عليه.
ونبيكم محمد صلى الله عليه وسلم كان أشد الناس فقرا إلى الله تعالى ، واعترافا بفضله ، وتعدادا لنعمه ، وتعلقا بجنابه ، وإلحاحا في دعائه ، دعاه عليه الصلاة والسلام رجل من أهل قباء ، فلما طعم وغسل يديه قال: الحمد لله الذي يطعِم ولا يطعَم ، منَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا ، وكل بلاء حسن أبلانا ، الحمد لله غير مودع ولا مكافىء ولا مكفور ولا مستغنى عنه ، الحمد لله الذي أطعم من الطعام ، وسقى من الشراب ، وكسا من العري ، وهدى من الضلالة ، وبصر من العماية ، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا ، الحمد لله رب العالمين ) صححه ابن حبان والحاكم.
وكان عليه الصلاة والسلام يربي ذريته وأمته على دوام الافتقار إلى الله تعالى ، والإقرار بالحاجة إليه سبحانه في كل شيء ، روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة رضي الله عنها: ( ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) رواه الحاكم وصححه.
فسيروا - رحمكم الله تعالى - سيرة الأنبياء والصالحين في افتقارهم إلى الله تعالى ، وإعلان الحاجة إليه ؛ فكم نحتاج إلى إحياء هذا الافتقار في القلوب ، بعد أن قست بالذنوب.
لنعلن يا عباد الله في هذه العشر المباركة فقرنا إلى الله تعالى، ولنلح عليه بالدعاء ، فما أفقرنا إلى ربنا جل في علاه ، وما أحوجنا إليه.
إننا مفتقرون إلى الله تعالى في صلاح قلوبنا ، وزكاء أعمالنا، واستقامتنا على ديننا ، وكل ذلك بيد الله تعالى إذ إن قلوبنا بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء.ومفتقرون إليه سبحانه في حفظ أنفسنا وأولادنا وأموالنا من الأمراض والحوادث والجوائح.ومفتقرون إليه سبحانه في دوام أمننا واستقرارنا ، وفي حفظ بلادنا وبلاد المسلمين من مشاريع الكفار والمنافقين.ومفتقرون إليه عز وجل في ديمومة النعم التي أنعم بها علينا ، فهو من يملك بقاءها وزوالها.
ما أفقرنا إلى الله تعالى في صلاح بيوتنا ، واستقامة أزواجنا وأولادنا على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.وما أفقرنا إلى عفو ربنا ورحمته ؛ لنعتق من النار ، ويكتب لنا الرضوان ، ولربنا تبارك وتعالى في هذه العشر المباركة هبات وعطايا فما أشد حاجتنا إليها.
فتعرضوا لنفحات ربكم ، بدعائكم وإلحاحكم ، وإقراركم بفقركم إلى ربكم ، ولا تغتروا بجاهكم وأموالكم وصحتكم ورغد عيشكم ، وما بسط عليكم من النعم ؛ فإن ذلك من أبين الدلائل على فقركم ؛ لأنكم وقعتم في أسرها ، ولا تطيقون فراقها ، ولا يملك دوامها لكم إلى الله تعالى ، فافتقروا إليه سبحانه يغنكم ، ولا تستغنوا بغيره فتهلكوا.
انطرحوا بين يديه في هذه الليالي المباركات خاشعين باكين، داعين مستغفرين ، تقرون بفضله ونعمته عليكم ، وتعترفون بجرمكم وتقصيركم في حقه ؛ فإن ربكم غني حميد ، جواد كريم ، إن علم صدقكم ، ورأى ذلكم ، وسمع تضرعكم ؛ غفر لكم ، وأعطاكم سؤلكم ، ودفع الشر عنكم (( وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) )آل عمران135 (( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) )البقرة186
وصلوا وسلموا على نبيكم....
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره....
وانتهت الحرب في لبنان و لكن خسائرها لم تنته..و خلفت دروسا و عبرا لمن وعى فالعدوّ الذي لا يقهر عادت أسطورة -مهما كانت الرايات المحاربة- والشبح المخيف يتهاوى حين تسلط عليه أضواء الحقيقة، ثمة أسئلة تدور عن أهداف الحروب وعن أدبيات القتال والفرق بين قتال المسلمين وقتال غيرهم في الوسائل والأهداف و النتائج، ومن المهم بيانها.
في زماننا هذا كثر الهرج وانتشر القتل، وزاد عدد المشرّدين، وارتفعت نسب الأيامى واليتامى، أليات ودبابات وقاذفات وطائرات تحمل أنواع الأسلحة الفتاكة..وحين تبحث عن أهداف هذه الحروب المدمرة تجد من بينها تحقيق أطماع، وتصفية حسابات، وتأكيد تحالفات، احتلال صارخ واستعراض للعضلات تجريب للأسلحة ولو كانت على صدور الأطفال والنساء، رايات عمية و أهداف معلنة وأخرى خفية، وتواطئ وحرب بالوكالة إنها جزء من معالم الحضارة المعاصرة، ولوحة كاشفة لقيم الدول المتحالفة.
الرجل المعاصر الذي يتشدّق بالحديث عن السلام و الوئام، وبناء المحبّة وإرساء المؤاخاة هو الذي بات يهدم البنى التحتية، و يدمّر منافع الناس، و يرسم الوحشة بدل الابتسامة في وجوه الأطفال، و ينشر الرعب بدل الأمان، و يزرع الكره وينبت الحقد و يعمق الهوة و يزيد من مساحة البغضاء بين الشعوب.
في ديننا معشر المسلمين لا يشرع القتال إلا لرد ظلوم أو تأديب معتد أو الدفاع عن البيضة، أو حماية الدين و الحرمات، أو لتعبيد الناس لرب العالمين بدل عبوديتهم للعباد، و باختصار لتكون كلمة الله هي العليا..
الإسلام اليوم ينحى عن المعركة وعلى الذين يتهمون الإسلام أنه انتشر بحد السيف أن ينظروا اليوم كيف ينشر الباطل و تستباح الحمى بقاذفات الطائرات، و أطنان القنابل المدمرة، وبالمدرعات و البارجات..
لغة القوة اليوم هي اللغة السائدة، والويل للعالم حين تكون القوة بأيدي من لا خلاق لهم، و لا عهود عندهم، إنهم سفهاء في نظر الإسلام، و إن كانوا عمالقة في الحضارة المادية، وهم أقزام وإن تطاولوا بسلاح القوة المدمّرة.
لقد استخدم المسلمون -على فترات الزمان-القوة، لكنها مضبوطة بخطام و زمام فلا استكبار ولا جبروت و لا ظلم و لا عدوان..و هل تعلم أن جهاد المسلمين كان فتحا للشعوب المظلومة، وانتصارا للفضيلة، وانحسارا للظلم و الظلمات...والدليل أن هذه الشعوب حين تُخَيَّر ولا تكره ترغب في الإسلام وتكون من جنوده الأوفياء..وأين هذا من حروب اليوم؟
في جزيرة العرب كان الظلم والجهل فجاء الإسلام ليحل العدل و يبني منارات العلم، و أصبحت بلاد العرب المحتقرة من قبل، بوابة لنشر الحضارة على أوسع نطاق. والعربي الذي كان يصنع من التمرة إلهًا فإذا جاع أكلها..هو المسلم الذي كان مضرب المثيل في علمه وعبوديته وقيمه و أخلاقه..إنه الإسلام قلب الموازين و غير مجرى الحياة، و صاغ الشعوب صياغة جديدة نادرة في الوجود.
وفي أرض الشام كان القوم الجبارون يفسدون في الأرض ولا يصلحون، خلت محاريب العبادة منهم، وشكى الشجر والحجر من ظلمهم و فسادهم و دنست المقدّسات و هجرت في زمن ولايتهم..حتّى كان الفتح الإسلاميّ صفحة جديدة مشرقة في أرض الشام و ما حولها.