فهرس الكتاب

الصفحة 7926 من 9994

وفي بلاد فارس و الروم كان للمسلمين جولات و بطولات لم يكن الهدف منها إراقة الدماء..ولا استحواذ على المقدرات، و لم يكن من سياسة المسلمين نهب الثروات، ولم يمارس المسلمون إهدار الكرامات للبشر..كلاّ..بل كان الفتح الإسلامي نقلة في حياة شعوب تلك البقاع، المادية منها والمعنويّة.ففي الجانب المادي ارتفع الظلم و حل العدل، و انتشرت الخيرات وعمت الأرزاق. و في الجانب المعنوي بزغت شمس حضارة جديدة، و وجد علم يهدي ويرشد وسادت قيم عالية، و أخلاق فاضلة..لم يكن أهل تلك البلاد يحلمون بها.

واليوم تعود للدنيا -في مساحات كبيرة- شريعة الغاب، و يعود الظلم والظلمات..وكما احتاجت الأرض يوما إلى شريعة السماء، وكما احتاجت الشعوب في مرحلة من مراحلها إلى قيادة المسلمين و حسن رعايتهم، وإلى حضارتهم و قيمهم، فهي اليوم محتاجة كالأمس أو أشد إلى النور الهادي.

ولكن أين المسلمون الذين يحملون هذا النور الوضاء، و ينقذون البشرية من ويلاتها و حروبها المدمّرة..هذا سؤال كبير يحتاج إلى إعداد و صدق، و إلى رصّ للصفوف، و توحيد للكلمة، وجمع للطاقة، وصدق في الولاءات، وتجرد في الإنتماءات..

أيها المسلمون: قارنوا بين حروب اليوم الظالمة و بين حروب المسلمين الصادقة، و تأمّلوا أدبيات الحرب في الإسلام و قارنوا بينها و بين أدبيات الحرب المعاصرة علما بأنهم في الماضي لم يكن لديهم و ثيقة للأمم المتحدة، و لا مجلس للأمن، و لا محكمة عدل دولية..إلخ هذه القائمة المفتراة و الأضحوكة الكبرى للعالم المحتضر؟!

لقد كان القرآن الكريم منطلق التوجيه، و كانت سنة المصطفى و سيرته عليه الصلاة و السلام المثل الأعلى للتنفيذ..و من هنا جاءت أدبيات القتال في الإسلام منسجمة مع هدي السماء، خالية من روح العدوانية و البغي، و مستشعرة ضعف الضعيف، و حافظة لحقوق أهل الذمة و العهد.

أجل إن من أولويات هذه الأدبيات للقتال في الإسلام سمو الهدف لتكون كلمة الله هي العليا (( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) (التوبة: 40) .

وفي الحديث المتفق على صحّته قال صلى الله عليه وسلم: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ) [1] .

والمسلمون في قتالهم ينشدون الفلاح والصلاح و لذا فهم متلبّسون بذكر الله و الثبات على دينه في حال حربهم كما في حال سلمهم، بل يؤمرون بالحرب بذكر الله كثيرا (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ) ) (الأنفال:45) .

المسلمون في قتالهم لا يخرجون بطرا و استكبارا و استعراضا للقوى و العضلات كما هو حال المحاربين اليوم حين تضيق و سائل الإعلام بضجيجهم و ألقاب و مسمّيات معاركهم، بل قيل للمسلمين وأدّبوا (( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) (الأنفال: 47) .

المسلمون لا يخونون في الحرب - وإن كانت الحرب خدعة- بل إذا أحسّوا من قوم خيانة نبذوا إليهم على سواء (( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ ) ) (( الأنفال: 58) .

والمقصود إذا أحسست من قوم بينك و بينهم عهد -نقضا للعهد..فانبذ إليهم على سواء أي أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك و علمهم بأنك حرب لهم و هم حرب لك، و إنه لا عهد بينك و بينهم على السواء أي تستوي أنت وهم في ذلك [2]

الأسير في حروب المسلين لا يؤذى، بل يوعد بخير إن هو استقام و آمن (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) ( الأنفال: 70) .

بل تكرم الأسيرة المسبية -إن هي أسلمت- لتكون واحدة من أمهات المؤمنين، و يكرم من ورائها من الأسرى من قومها إكراما لأصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حصل مع جويرية بنت الحارث المصطلقية رضي الله عنها حين سبيت وأسلمت و تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تضايق المسلمون أن يكون قومها- وهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم - تحت الأسرى فأعتق المسلمون مائة أهل بيت من بني المصطلق، فكاتب جويرية من أعظم النساء بركة على قومها كما قالت عائشة رضي الله عنها [3] .

أين هذا ممن تقام الحروب و تدمّر البنى ويقتل الأبرياء..بدعوى فك أسير أو أسرى؟

من أدبيات حروب المسلمين ألا تقتل النساء ولا الأطفال ولا الشيوخ الكبار، ولا الرهبان في معابدهم، و حروب اليوم معظم ضحاياها من النساء والأطفال و أوّل المستهدفين العباد والصالحون بدعوى الحرب على الإرهاب؟

ومن أدبيات حروب المسلمين ألا يهاجموا العدو إن هم سمعوا صوت الأذان و المؤذن يوحد الله، و في الحروب المعاصرة تهدم المساجد و يقتل الركّع السجد و ربما استهدف الإمام والمؤذّن -فبأي شريعة يصنع هذا وبأيّ نحلة يستباح هذا ؟ (( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ) ( البقرة: 114)

من أدبيات القتال في الإسلام أن لا سرقة ولا غلول من المحاربين وإن انتصروا بل ما جمع من الحرب أنقال وغنائم تحصى وتضبط وتقسم على مستحقّيها وللمجاهدين نصيبهم حسب جهادهم.. وفي الحروب المعاصرة نهب للثروات وسرقات للمقدرات، بل استعمار كامل يتجاوز إهدار الطاقات المادية إلى إهدار الطاقات المعنويّة.

ولا يكتفي بالغزو العسكري..بل يتجه ويهدف إلى الغزو القيمي والإفساد الخلقي، وتغيير الهويات وطمس معالم الدين، وصدق الله (( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) ) (التوبة: 32) .

نفعني الله و إياكم بهدي كتابه...

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت