لقد توافرت النصوص الشرعية في الحرص على تباعد الرجال عن النساء درءً للفتنة ..فقد جاءت الأدلة الشرعية بالأمر بقرار المرأة في بيتها وألا تخرج إلا لحاجة ولو كانت الشريعة ترغب في كثرة لقاء الرجال بالنساء لما جاء الأمر بقرارها في بيتها ..كما جاءت الشريعة بالنهي عن الدخول على النساء كقوله صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والدخول على النساء ) ولو كانت الشريعة ترغب في كثرة اللقاء بينهما لما جاء النهي عن الدخول على النساء ..ولماذا لم تُلزم الشريعةُ المرأةَ ما يلزم الرجل من الواجبات الاجتماعية ،فعلى سبيل المثال: أجمع العلماء على أن صلاة الجمعة لا تجب على المرأة ، ولا يجب عليها الجهاد في سبيل الله ، وأسقط عنها الشرع النفقة ..وكل هذه الأعمال تحتاج إلى الخروج من المنزل وكثرة احتكاكها بالرجال ..وهذا يبين حرص الشريعة على بعد الجنسين عن بعضهما وقد جاء أيها المسلمون الأمر بتخصيص باب خاص للنساء في المسجد ، فيا ترى لماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فلو كان صلى الله عليه وسلم يرغب في كثرة احتكاك الطرفين بعضهما ببعض لما أمر بذلك ولجعلهما يخرجان من باب واحد ..ثم أيها المؤمنون لماذا جاءت الأدلة بالأمر بغض البصر ..فيا ترى.. كيف يغض بصره من كان يعمل في مكتب فيه موظفة ؟ أو في مستشفى فيه طبيبة أو ممرضة ؟ ولماذا فضلت الشريعة صلاة المرأة في بيتها على صلاة الجماعة بل تفضيل صلاتها في بيتها على صلاتها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن الصلاة فيه مضاعفة !! وكيف نجمع بين نفسين تميل بعضهما إلى بعض ؟!! والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) . ويا ترى ما الداعي لأن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتريث الرجال في الانصراف من المسجد حتى تخرج النساء ..و لو كان الأمر مستويا في الشريعة هل كان يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتريث الرجال لتنصرف النساء ؟!! ولو كان الاختلاط سائغاً ..لماذا جعل خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ..ألا يدل ذلك على تأكيد الشريعة انفصال الرجال عن النساء ؟!! يقول الإمام النووي رحمه الله: ( وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم ثم رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك وذم أول صفوفهن لعكس ذلك والله أعلم ) .
أيها المؤمنون:
لقد تتابعت أقوال العلماء في بيان حرمة الاختلاط وضرره العظيم على المجتمع يقول الحسن البصري رحمه الله: ( إن اجتماع الرجال والنساء لبدعة ) ويقول الشيخ العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد ـ حفظه الله وشفاه ـ: (حُرِّم الاختلاط، سواء في التعليم، أم العمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة والخاصة، وغيرها؛ لما يترتب عليه من هتك الأعراض ومرض القلوب، وخطرات النفس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء، وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغيرة.) .ومن هنا يتبين أن هناك صورا كثيرة من صور الاختلاط أفتى العلماء بحرمتها فمن تلك الصور: الاختلاط في دور التعليم كالمدارس والجامعات والمعاهد والدروس الخصوصية في البيوت ، واختلاط الخدم بالنساء في البيوت ، أو اختلاط الخادمات بأهل البيت ـ أعني الذكور ..و الاختلاط في الوظائف وأماكن العمل ..كالمستشفيات والمصانع والمؤسسات ونحوها ..والاختلاط في المحاضرات الطبيبة أو المؤتمرات أو المنتديات الاقتصادية ونحوها ..والاختلاط في المناسبات والزيارات بين الجيران والأعراس والحفلات ..ويتساهل أقوام بهذه الصورة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قيل له: أفرأيت الحمو يا رسول الله ؟ قال: الحمو الموت ) والاختلاط في أماكن الترفيه والمتنزهات والمطاعم والتي تسمى اليوم بالأماكن العائلية وأخيرا اختلاط الأولاد الذكور والإناث ـ ولو كانوا إخوة ـ بعد التمييز في المضاجع ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بينهم في المضاجع .
أيها المسلمون:
لم يسكت دعاة التغريب في محاولة مستميتة للتلبيس على الأمة في جواز الاختلاط ..وأخذوا يثيرون الشبه تلو الشبه لمحاولة إقناع الناس بأن الاختلاط أمر لا غضاضة فيه ..ويتلبسون بالدين أحيانا لتحقيق مصالحهم الإبليسية ..فمما قالوه: إن واقع المسلمين منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يؤدون الصلاة في مسجد واحد.. الرجل والمرأة.. ولذلك فإن التعليم لابد أن يكون في مكان واحد. ونقول رداً عليهم ..لقد أجمع العلماء على أن ما كان سبباً للفتنة وانتشار الفساد فإنه يكون محرماً شرعاً ، وقد شهد الواقع والعقل على أن اجتماع الطلاب والطالبات في المدارس من أكبر أسباب الفتنة ولذلك فهو محرم وقد حكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره . ومن الشبه ثانياً: الحديث الذي جاء فيه أن رجلاً من الأنصار ضيف ضيفاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخلت المرأة الطعام عليهما وقال لها: تعالي فأطفئي السراج ..فيفهم من الحديث أن المرأة دخلت على الضيف وجلست معه وأكلت وهذا هو الاختلاط ولو كان حراماً لنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما جرى كما أخبره عن إيثارهما وكرمهما مما يدل على جواز الاختلاط . والجواب: أن هذه القصة حدثت قبل نزول الحجاب و تحريم الاختلاط ، وذلك أن هذه القصة كانت سبباً لنزول قوله تعالى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وهي آية من سورة الحشر ، وسورة الحشر نزلت في بني النضير ، وقد أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم على أكثر الأقوال في سنة أربع ، وآيات الحجاب نزلت في السنة الخامسة ..فيكون أمر هذه القصة كله قبل نزول أحكام الحجاب . ومن الشبه أيضا: قالوا لو كان الاختلاط ممنوعاً لما سمح النبي صلى الله عليه وسلم بالاختلاط بالطواف بالبيت الحرام . والجواب: من قال إن الاختلاط في الطواف جائز أصلا ..إن ما يفعله الناس اليوم خطأ واضح وقد قدمت حلول ومقترحات ، ولذا كانت عائشة رضي الله عنها تطوف في ناحية من الرجال لا تخالطهم كما في صحيح البخاري ..وكانت النساء تطوف بالليل وقبل الطواف يُخرج الرجال ثم يبدأن الطواف .. ( ) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ( روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء ، قال: فرأى رجلاً معهن فضربه بالدرة"..أرأيتم كيف كان السلف الصالح يحرصون على عدم الاختلاط حتى في أماكن العبادة والتي هي من أبعد الأماكن ريبة فكيف بغيرها ؟!!"
أيها المسلمون:
إنني ومن على منبر محمد صلى الله عليه وسلم أناشد كل مسلم غيور أن يسعى قدر المستطاع لإزالة ظاهرة الاختلاط من المجتمع ..ويمنع من استفحالها ..سواء كان ذلك في المستشفيات أو المؤسسات أو المطاعم أو المدارس العالمية أو إدارات البنوك أو غيرها ..فالشرع ونظام البلد يمنع من ذلك ولله الحمد والمنة ..فنحن نعيش في سفينة واحدة والاختلاط سبب من أسباب غرقها ..فليجتهد كل واحد منكم في إنقاذ السفينة من الغرق ..
اللهم جنب المسلمين فتنة الاختلاط بما تشاء يا سميع الدعاء
الخطبة الأولى