فهرس الكتاب

الصفحة 8473 من 9994

عباد الله: ألا نشعر جميعاً بالإسراف في تناول الكثير من الأطعمة في رمضان، أليس في الصوم تربية على الصبر والجوع والاقتصاد في المطعم والمشرب، ومحاربةٌ للتخمة، وموازنة مشروعة لأثلاث الطعام والشراب والنفس، لكنا حين نسرف في الفطر ونعوّض ما فات في الصوم، فما استفدنا كثيراً من حكمة الصوم.

أيها المدخنون: كان الله في عونكم على ترك التدخين، ورمضان فرصةُ مهمة لكم للإقلاع عن هذا الداء المستشري، ألا تشعرون بشيءٍ من التناقض وأنتم تصومون النهار عما أحل الله لكم طاعة لله وقربةً له، فإذا كان الليلُ أفطرتم على الحرام، وربما عوّضتم ما فاتكم من النهار، إنها طاعة ومعصية، واستجابة لله في النهار لكنها استجابة للهوى وانهزامٌ أمام الشهوة في الليل، أين ذهبت قوةُ إرادتكم في النهار فهلا واصلتموها في الليل؟ إن القرار قد يبدو عند بعضكم صعبٌ، ولكن ذلك من تخويف الشيطان، وإلا فقافلة المقلعين عن التدخين سائرة، وأنت لست أضعف ممن ترك وأقلع، ولكنك محتاجٌ إلى الجرأة والصبر قليلاً، والعاقبةُ حميدة ، والخطوة موفقة، فاستعن بالله ولا تعجز، وقل لنفسك: هذا أوان التوبة، ومهلتك الأخيرة شهرُ رمضان، وستجد من ربك عوناً ومن أقاربك مشجعاً، ومن مجتمعك مثنياً ومباركاً، ولك أن تتصور فرحتنا بك مقلعاً تائباً، ومن حقك بل ومن حقِّ كل مبتلى أن ندعو وأن نُؤمن على الدعاء، اللهم عافِ كلَّ مبتلى بسوء، اللهم أبدل سيئاتهم حسنات، اللهم ثبتهم على الحقِّ إلى لقياك .

عباد الله كلَّنا يُدعى إلى التوبة النصوح، وكلنا مطالبٌ بالتغيير للأحسن، وكلنا يكره التناقض، فلنجعل من رمضان فرصةً للمراجعة والمحاسبة والتوبة والإنابة، ففي الشهر عونٌ على الطاعة وفرصٌ لا تعوض، ومكاسبٌ جلية للدنيا والآخرة، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه، وغداً يكشف الستار ويتبين من تأخر ومن فاز وحينها لا ينفع الندم ، ولا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل .

اللهم أعِنَّا على ذكرك وعلى شكرك وحسن عبادتك ، واجعلنا من السابقين للخيرات، الفائزين بالجنات ، اللهم اعصمنا من الزلل واحفظنا من الفتن ، اللهم أفء من بركات هذا الشهر على المسلمين كافة ، وعلى المظلومين والمشردين والُمحاصرين خاصة .

الحمد لله علام الغيوب وكاشف الكروب وساتر العيوب ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يغفر لمن يشاء ويتوب عن من يتوب ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل عباد الله وأتقاهم له ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الصلاح في الأبدان والقلوب وسلّم تسليما كثيراً أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وعظموا شعائره فإنه من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب نظرت إليها، ودموع الأسى والحزن تنهمر من عينيها، فدنوت بين يديها، وقلت: مالك يا روضة العابدين، ويا أنس الطائعين، ويا حبيبة العباد المخلصين، ويا بغيضة عند الفساق والمنافقين ، فنظرت إليّ بنظرات الأسى والاكتئاب، وكلمتني بنبرات اللوم والعتاب وقالت: ألم أبلغك رسالتي، وأحملك شكايتي ، فلِمَ لم توصلها للمقصرين.

لقد أودعتك يوماً ما رسالتي والتي تحمل آمالي وآلامي وتنبض بشعوري وأحلامي ، فلِمَ لم توصل هذه المشاعر إلى كل مقصر وهاجر 0

فقلت: قد والله فعلت ، فبلغت الرسالة ، وأسمعتها للهاجرين ، وخاطبت بها المعرضين ، ولكن ما حيلتي إذا كانت الرسالة لامست الأسماع ولم تخترق الفؤاد ، وما ذنبي إذا كان جيل اليوم جيل استماع لا انتفاع ، لقد أديت الرسالة إلى المعرضين 0

لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن أنادي

لقد أوصلت الرسالة إلى الهاجرين ، فمنهم من هدى الله ، ومنهم من حقت عليه الضلالة وآثر الهوى على الهدى 0

قالت: ولكني لا أزال أشكو من كثرة المعرضين ، وقلة الراغبين ، فقلت: أيتها الشعيرة المظلومة ، لكِ عليّ أن أعيد رسالتك ، وأبثها من جديد ، وأرسلها لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، ولكن لا تيأسي ولا تحزني فلست أنتِ المظلومة الوحيدة ، فما أكثر شعائر الإسلام المظلومة في هذا الزمن حينما أصبح سلطان الهوى حاكماً ، واتخذ الهوى إلهاً من دون الله ، ورفع بعض الناس شعار (( أنت حر ما لم تضر ) )، وتحللوا من المفهوم الحقيقي للإسلام والذي يعني الاستسلام لله والانقياد والخضوع له ، والبراءة مما يعبد من دونه ، ذلك المفهوم المستمد من مثل قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ) (الاحزاب:36) .

(( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) ) (النساء:65) .

ما أكثر الشعائر المظلومة يوم أن تخلف هذا المفهوم عن واقع الناس ، وأصبح بعضهم يأخذ من أحكام الإسلام ما يوافق هواه ، وما ترتاح له نفسه الأمارة بالسوء 0

إن رسالتكِ تفيض حسرة وألماً ، وتذرف أسى وندماً على واقع الناس معك ، وهاأنذا أبلغها على لسانك قائلاً: أنا شعيرة من شعائر الإسلام شرعني العليم الخبير لأكون كأخواتي قرة عين ، وانشراح صدر ، وسبيل فوز للصالحين، عايشت أجيالاً عرفوا لي قدري فلم يتخلفوا عن الحضور إليّ ، حتى في أصعب الأحوال، وأحلك الظروف ، كانوا يبحثون عن فضائلي ، ويسعون للحصول على رضا الرب الذي شرعني ، حينما شرعني الله خصني بمزيد من الفضائل والمزايا ، والخصائص والعطايا 0

أنا شعيرة من شعائر الإسلام ضحية للسهر المحرم عند قوم ، وأسيرة الالتزام الأجوف عند آخرين ، بليت بقوم لا يعرفون قدري ، ولا يدركون أثري، آثروا راحة النفس على فضائلي أتدرون من أنا ؟ ، أنا القرآن المشهود، الثقيلة على أهل الهوى والجحود ، وأرباب الكسل والخمود، أنا صلاة الفجر جئت أحمل معي شهادات الضمان ، وصكوك البراءة من النفاق، أنا وأخواتي ثمن لأغلى سلعة ، وسلعة الله غالية ، وسلعة الله الجنة ، أنا صلاة الفجر المظلومة ، بليت بضرة مشؤومة هي النفس الأمارة بالسوء، بليت بجيل غايتهم راحة الجسد ، ولو غضب الواحد الأحد ، أعمتهم الدنيا عن رؤية الآخرة ، والعمل لها فقست قلوبهم ، فأصبحت كالحجارة أو أشد قسوة ، وساعد في ذلك زحف التصحر المادي الذي أخذ يغزو كل خضرة مغروسة ، وأخذ يعلو ويغطي كل بيت مشيد ، حتى غدت بيوتاً خاوية على عروشها ، والزروع قد أحرقتها نار تلك المادية المحرقة ، فأحالتها صفراء ذابلة باهتة ، وأصبح الجفاف يدق ناقوس الخطر، خطر موت الأرواح بعد جفافها 0

أنا الفجر رمز ولادة كل خير، ورمز النصر وعنوان الشباب ، وعلامة الحركة، ودليل الحق والعدالة، وقتي من أهدأ الأوقات ، ففيه لحظات الصفاء، وفيه توزيع الأرزاق، وأنا صلاة الفجر دليل على قوة الإيمان والبراءة من النفاق لمشقة هذا الوقت على النفس، ألم تسمعوا قول حبيبكم صلى الله عليه وسلم: (( إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت