وكلما نظر إلى عكا وما حل بها من البلاء وما يجري على ساكنيها من المصاب العظيم اشتد في الزحف والحث على القتال.
ولم يطعم في ذلك اليوم طعاما البتة! وإنما شرب أقداحَ مشروبٍ كان يُشير بها الطبيب""
ويقول:"في فتح الطريق إلى عكا والسلطان يوالي هذه الأمور بنفسه، ويكافحها بذاته، لا يتخلف عن مقام من هذه المقامات!، وهو من شدة مرضه ووفور همته كالوالدة الثكلى!."
ولقد أخبرني بعض أطبائه أنه بقي من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لم يتناول من الغداء إلا شيئاً يسيراً لفرط اهتمامه!"."
وقال في ذكر الواقعة العادلية:"لقد رأيته - رحمه الله - قد ركب من خيمته وحوله نفر يسير من خواصه، والناس لم يتم ركوبهم، وهو كالفاقدة لولدها، الثاكلة واحدها!".
أيها المسلمون:
بهذا الهمّ الشاغل ، والنفس القلقة ، والقلب المنزعج ، استطاع صلاح الدين أن يكمل مهمته ، ويكتب الفتح المبين في معركة حطين، وما كان اجتماع الجيوش عنده ، والتفات الأمراء إلا صدى لقلبه الخفاق، وإيمانه الفياض، وصدره الجائش، وروحه الملتهبة.
ولا ترون انتصاراً باهراً في التاريخ ، ومعركة حاسمة إلا من ورائها قلب يخفق، وعرق ينبض، وليث يثور، وشجاع يغضب.
فمن منا سيكون ذاك الرجل؟!.
بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، قيوم السموات والأرضين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين.
وأشهد أنّ محمَّداً عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
أمَّا بعدُ:
أيها المسلمون:
إن الدّراسات العلمية تقول: إن الفضل في إيجاد الشخصية العصامية - بعد الله تعالى - يرجع إلى الأسرة، فقد كانت مدرسة كاملة؛ تربي أبناء المسلمين، وتنشئهم على العقيدة الإسلامية، وعلى الخصائص الإسلامية.
وإنّ كثيراً من كبار المجددين، والمصلحين في الإسلام إنما هم غرس الآباء والأمهات!.
فهذا الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - توفي أبوه، فاعتنت أمّه بتربيته، وكانت توقظه قبل صلاة الفجر وهو صغير، فيصليان معاً ما شاء الله!.
فإذا أذن الفجر أمسكت بيده وذهبت به إلى المسجد، وانتظرت حتى تُقضى الصلاةُ ثم تعود به إلى البيت!.
وحفظ القرآن - رحمه الله - وهو صغير، فلما بلغ اثنتي عشرة سنة قالت:"يا بني انطلق فاطلب العلم!".
يقول الإمام أحمد:"كنت ربما أردت البكور في طلب الحديث فتأخذ أمي بثيابي حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا".
بمثل هذه التربية وتوفيق الله تعالى خرج أولئك العظماء، وغيروا مجرى التاريخ!.
فرحم الله بطناً أنجب مثل الإمام أحمد بن حنبل.
إننا أمام الواقع المكرر، والواقع الأليم، لا نستطيع أن نواجهه إلا إذا كانت الأسرة المسلمة قائمة بروحها، ورسالتها، وبخصائصها.!
إنّ الطفل والشاب المسلم إنما ينشئان في هذه المدرسة، ويتخرجان منها، قبل أن يتخرجا في مدرسة أو جامعة نظامية.
إذاً يجب أن تبقى هذه المدرسة الداخلية - مدرسة الوالدين - على صفتها الأولى، وأن تحافظ على قوّتها، وعلى روحها إذا أردنا أن نخرج أناساً عصاميين.
ولا يعني ذلك - أخي الشاب الفاضل - إذا ابتلاك الله تعالى بأسرة غير محافظة أن تركن إلى الدنيا وشهواتها، والحياة ولذاتها!. فأنت خصيم نفسك، ومحاسب على أعمالك. ولقد عاش أقوام من العصاميين في أسر غير محافظة، ومع ذلك أصبحوا شيئا مذكوراً!
فهذا سلمان الفارسي رضي الله عنه كان يعيش في أسرة بالغة الثراء ..والتي وفرت له كافة وسائل الراحة والسعادة ..مع ارتفاع أسهمه في قلب والده ..ولكنهم كانوا يريدونه أن يبقى على دينهم المجوسي ..فهل رضخ لذلك ؟!! وهل استسلم لما يريدون ؟!! كلا ..بل جاهد حتى فر من أسرته ليبحث عن الدين الحق ..وصبر سلمان على التغرب والأذى ..بل وعلى العبودية ردحاً من الزمان ..كل ذلك من أجل أن يصل إلى الدين الحق ..فكانت له العاقبة الحميدة ..والمنزلة المجيدة ..التي سطرها التاريخ في الدنيا ..وما أعد الله له في الجنة خير وأعظم أجرا ..يقول الله جل الله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } العنكبوت69 قال صاحب الظلال:"الذين جاهدوا في الله ليصلوا إليه، ويتصلوا به."
الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا، فلم ينكصوا ولم ييأسوا.
الذين صبروا على فتنة النفس، وعلى فتنة الناس.
الذين حملوا أعباءهم، وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب .. أولئك لن يتركهم الله وحدهم، ولن يضيع إيمانهم ولن ينسى جهادهم.
إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضاهم، وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم.
وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم، وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء"أ. هـ ."
اللهم أصلح أحوال المسلمين ..
الخطبة الأولى
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان،
أمَّا بعدُ:
أيها الأخوة في الله:
لقد طرأ في هذا العصر المتلاطم بالفتن ما يطرأ في كل عصر، وارتكب فيه أرباب الشهوات ما ارتكبه أسلافهم الأوائل من تغيير للحقائق، وتلبيس للمفاهيم، وعبث بالمبادئ، فغيروا ما يريدون تغييره لإشباع غرائزهم، وسموا الأشياء بغير اسمها، ووصفوها بغير صفتها اللائقة بها، فالخمر عندهم شراب روحي، والربا في نظرهم المعوج فائدة مالية، ودعامة اقتصادية، والسياحة في منطقهم المنكوس متعة وترفيه، هكذا قالوا، وبئس ما قالوا.
أحبتي في الله:
لعلي أن أسلط الضوء على قضية كبرى دار حولها الحديث، وكثر فيها الكلام، ألا وهي قضية السياحة، والتي تعني في المفهوم العالمي المعاصر: (الانفتاح المطلق بلا قواعد مرعية، ولا ضوابط شرعية) !. فلا دين يردع، ولا وازع يمنع، يفعل الإنسان ما يشاء، ويصنع ما يريد، فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه، فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور.
هذه السياحة في عصر العولمة، ولكننا حينما نعود إلى المعين الصافي، والمنبع الوافي ـ كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلّم ـ فإننا ندرك حقيقة السياحة، ومفهومها في الإسلام، والتي ينبغي أن يدركها الجميع، يقول الله تعالى في وصف عباده المؤمنين: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ) . [سورة التوبة، الآية: 112] .
وللعلماء في بيان معنى السياحة أقوال، وكلها تدل على ارتقاء الإسلام إلى معالي الأمور، وبناء الأمة على مكارم الأخلاق، وجميل الخصال.
فمنهم من فسّر السياحة بالسفر في طلب العلم، فيرتحلون من أجله، ويشدون الرحال في طلبه، من أجل ثني الركب لدى العلماء والتلقي عنهم والاستفادة منهم.
قال عكرمة السائحون:"هم طلبة العلم".