العود الأصلي -العود الأزرق- كلما زدت في إحراقه كلما زادت ريحته, كذلك الرجل الصالح صاحب الخلق الكريم؛ كلما زدت في إزعاجه كلما ظهر حلمه, ودخل عليه مرة رجل وهو في مجلسه فسبه وشتمه وأقذع له في القول, فلم يرد عليه الشافعي بكلمة, فلما خرج الرجل قالوا: يا إمام! ألا دافعت عن نفسك؟ فرد عليهم بثلاثة أبيات يقول لهم:
قالوا سكت وقد عوتبت فقلت لهم إن الجواب لباب الشر مفتاح
والصمت عن جاهل أو أحمق شرف وفيه أيضاً لصون العرض إصلاح
أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة والكلب يخزى لعمري وهو نباح
الكلب ينبح طوال الليل لكن هل يخاف منه أحد؟ والأسد ساكت لا يقول ولا كلمة ولكن الناس تخاف منه، فلا تكن كلباً نباحاً, والآخر يقول:
لو كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار
يقول: لو كلما نبح كلب رميته بحجر لأكملت الحجارة, وأصبحت الحجارة غالية والصخرة بمثقال! لكن لا ننتبه ولا نتأثر بنبح الكلاب. فعليك يا أخي الكريم! أن تكون مترفعاً عالي الهمة, يقولون في المثل: ما يضير السحاب نبح الكلاب، وهذا مثل عند العرب، وما كنت أعرف سبباً لهذا المثل إلى أن قرأت في كتاب الحيوان للجاحظ عن عادات الكلاب، يقول: إن الحيوان الوحيد في الأرض الذي يكره المطر هو الكلب, جميع المخلوقات تحب المطر, الإنسان يحب المطر, البهائم تحب المطر, الطير تحب المطر؛ لأن حياتها على الله ثم المطر, إلا الكلب؛ إذا رأى السحاب قام ينبح, يريد السحاب أن يتراجع، لماذا؟! قالوا: لأن المطر إذا نزل تبلل جلد الكلب, وإذا تبلل جلده انبعثت منه رائحة كريهة تؤذي الكلب حتى يود أن ينسلخ من جلده, فلا يريد المطر, لكن هل يتأثر السحاب من نبح الكلاب؟ هو ينبح يريد السحاب أن يذهب لكن السحاب لا يتأثر، وكذلك أنت كن كالسحابة لا تتأثر بما تسمع من سباب أو من شتائم، وإنما اصفح وأعرض عن الجاهلين.
أعلى الصفحة
مصاحبة الأخيار ومجالستهم
من وسائل العلاج: مصاحبة الأخيار والارتباط بهم ومجالستهم, حتى تكتسب شيئا ًمن صفاتهم, وتتعرف على شيء من أخلاقهم, وبهذا تكون مثلهم, يقول الناظم:
فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياه فكم من فاسق أردى مطيعاً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ما شاه وللناس على الناس مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب دليل حين يلقاه
فعليك أن تبحث عن الرفقة الصالحة وعن الأخيار, وأن تجلس معهم وأن تصاحبهم حتى تكتسب شيئاً من صفاتهم, ومن أخلاقهم. وأيضاً من وسائل العلاج: الحلم, وهو سيد الأخلاق, والحلم هو أن تتمهل وتتثبت، يقول النبي صلى الله عليه وسلم للأحنف بن قيس: (إن فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة) , الحلم: أن تحلم ولا تستعجل ولا تتسرع، وهذا يحملك باستمرار إلى النتائج الطيبة, لا يوجد أحد ندم على الحلم وعلى التثبت, لكن كم ندم من أناس على السرعة وعلى الانفعال. هذه -أيها الإخوة- مجمل الأسباب والوسائل التي يمكن للإنسان أن يكون بها حسن الخلق, وأن يجتنب سوء الخلق. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى أحسن الأخلاق, وأن يجنبنا سيئ الأخلاق, وأن يوفقنا لصادق الإيمان وصالح الأعمال، وأن ينصر دينه وأن يعلي كلمته, وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية, ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنه سميع الدعاء. كما نسأله سبحانه وتعالى أن يحفظ لنا ديننا وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، وأن يجعل كيد من يريدنا في ديارنا أو غيرنا من ديار المسلمين أن يجعل كيده في نحره, وأن يجعل تدميره في تدبيره, وأن ينزّل عليه بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين, كما نسأله عز وجل أن يوفق ويصلح ولاة أمورنا، وأن يوفق علماءنا ومشايخنا ودعاتنا وشبابنا وشاباتنا وجميع المسلمين للعمل لهذا الدين والدعوة إليه والمنافحة عنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سعيد بن مسفر
أهمية معرفة الهدف من خلق الإنسان