فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إعداد/ أحمد صلاح رضوان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وبعد:
فإن اللَّه جلت قدرته وسعت رحمته كل شيء، قال تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون [الأعراف: 156] .
وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث عن واسع فضل اللَّه ومغفرته لعباده المؤمنين، فقد روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تحمل صبيًا وتلقمه ثديها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تظنون أنها تلقي بولدها في النار؟» فقالوا: لا يا رسول اللَّه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فالله أرحم بعبيده من هذه بولدها» .
وروى الإمام أحمد في مسنده وأبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الشيطان: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال اللَّه تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني.
قال المناوي رحمه اللَّه: وهذا وعدٌ من الرحمن بالغفران.
ولكن ليتنبه السالك إلى اللَّه تعالى أن السلف كانوا مع زهدهم وعبادتهم وقربهم من اللَّه تعالى وعلمهم بسعة رحمة اللَّه يخافون ألا يتقبل منهم، قال تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون
[المؤمنون: 60]
وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «هم الذين يصومون ويتصدقون ويخشون ألا يتقبل منهم» .
والمرويات عن السلف في ذلك كثيرة مما يدل على إخلاصهم وخوفهم من اللَّه تعالى، لذلك فمن الأمور الخطيرة والتي ينبغي التنبيه عليها مسألة ردّ العمل أو حبوط الأعمال، وهذه المسألة بيّن اللَّه تعالى خطرها وعظم شأنها وضرب لذلك مثلاً في سورة البقرة، فقال تعالى: أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون، وفي صحيح البخاري عن عبيد بن عمير رحمه اللَّه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ضرب اللَّه مثلاً لعمل، قيل أي عمل ؟ قال: لعمل رجل كان يعمل بطاعة اللَّه ثم أحرق الشيطان عليه عمله.
وها هي بعض الأسباب المؤدية إلى حبوط العمل - عسى اللَّه تعالى أن يحفظنا ويحفظ علينا ديننا.
أسباب محبطات الأعمال
أولاً: الشرك بالله تعالى:
وهو الداء الخبيث والمرض القاتل لا محالة إلا أن يتوب صاحبه، ومن تاب، تاب اللَّه عليه، قال تعالى: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين [الزمر: 65]
وقال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما [النساء] .
وليعلم المسلم أن الشرك بالله تعالى لا تقوم أمامه قائمة من عملٍ أبدًا لقوله تعالى: ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون [الأنعام] .
ويقول تعالى في سورة الإسراء: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا قال: وهو مؤمن لأن الكفر والشرك لا يصلح معهما أي عملٍ قط، ودليله ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد اللَّه بن جدعان وكان رجلاً مشركًا مات في الجاهلية يطعم الطعام وينصر المظلوم وله من أعمال البر الكثير، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما نفعه ذلك، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» .
إن من سنن اللَّه تعالى التي لا تتغير أن اللَّه لا يقبل من عباده عملا إلا أن يأتوا بالتوحيد الذي هو حق اللَّه على العبيد، ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على دابته فقال: «يا معاذ» . فقلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك. فقال: «يا معاذ بن جبل» . قلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك. فعاد الثالثة. فقلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك. فقال: «أتدري ما حق اللَّه على العباد» . قلت: اللَّه ورسوله أعلم. فقال: «حق اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» .
وما قرر النبي صلى الله عليه وسلم النداء إلا لأمر عظيم ينبغي ألا يغفل الناس عنه لأنهم ما خلقوا إلا لعبادة اللَّه تعالى؛ لقوله سبحانه: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] ، أي إلا ليوحدون.
وقال تعالى: وإن من أمة إلا خلا فيها نذير، قال ابن كثير رحمه اللَّه: نذير بالتوحيد ونذير عن الشرك.
كذلك في أمر الشفاعة يوم القيامة، فهي خاصة بأهل التوحيد الذين خلّصوا أنفسهم من دنس الشرك، ودليله ما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي موسى ورواه الترمذي وابن حبان عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني آتٍ من عند ربي فخيرني بين أمرين: أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترتُ الشفاعة، وهي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» .