رحم الله ذلك الاعرابي ! لقد أبى الاستخذاء كلمة ، فكيف لو رأى العرب اليوم يقبلونها حقيقة في كل نواحي حياتهم ، لا بل انهم الذين ما عادوا يطيقون وجود من لا يستخذي بينهم وكأنهم ارادوا للكل ان يمشوا في قافلة العبيد والاستخذاء والذل والهوان ، بل ماذا سيقول الاعرابي صاحب الاصمعي لو رأى العرب يفرضون الحصار والتجويع والحرمان على الشعب الفلسطيني لانه يرفض ان يستخذي وان يخضع للصوص هذا الزمان واقزامه من الذين ضحكت لهم الدنيا ، فكانت لهم الصولة والجولة والغلبة ، واذا بهم يريدون ان يجعلوا الدنيا كلها تسبح بحمدهم وتتنازل عن حقوقها وعن كرامتها رهبة وخوفا من بطشهم وظلمهم .
إني تذكرت والذكرى مؤرقة
مجدا تليدا بأيدينا أضعناه
أنّى اتجهت الى الاسلام في بلد
تجده كالطير مقصوصا جناحاهُ
ويح العروبة كان الكون مسرحها
فأصبحت تتوارى في زواياه
كم صرفتنا يد كُنا نُصرفها
وبات يملكنا شعب ملكناه
ليس فقط ان العرب وانظمتهم في زماننا لم يكونوا جادين ولو مرة واحدة باسترداد الحق الفلسطيني الضائع والحمى المستباح ، بل انهم اليوم يمارسون كافة اصناف التخذيل والتضييق على من يفكر مجرد تفكير للتأكيد على ذلك الحق وعدم نسيانه ، انهم بهذا التصرف وهذا السلوك المستهجن يقضون مضاجع عمر بن الخطاب وخالد وطارق وصلاح الدين والظاهر بيبرس ممن علموا الدنيا كلها كيف تكون العزة وكيف يعاقب المتطاولون المعتدون لا ان يكافئوهم .
لا بل ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتململ في قبره من قبيح صنع هؤلاء ومن عباءة الذل التي البسوها أمتهم وشعوبهم.
لو أسمعوا عمر الفاروق نسبتهم
واخبروه الرزايا انكر النسبا
ابواب اجدادنا منحوتة ذهبا
فها هياكلنا قد اصبحت خشبا
من زمزم قد سقينا الناس قاطبة
وجيلنا اليوم من اعدائنا شربا
وليس انهم فقط اقضوا مضجع عمر بن الخطاب من رضاهم بالذل وركوبهم مركب العار وسيرهم في قافلة العبيد الامريكية وهم يشتركون في جريمة التضييق على الشعب الفلسطيني وحكومته لابتزاز مواقف لصالح اسرائيل ، بل ان الشاعر العربي الجاهلي امرؤ القيس كذلك يتأذى من اخبارهم وسوء صنيعهم ، وهو الذي عرف عنه الانشغال باللهو والصيد والخمر والنساء ، فما صحا من سكرته تلك ولا قام من كبوته الا وقد ضاع ملك ابيه ، فقام يحاول استرداد ذلك الملك المسلوب وقال جملته المشهورة ( اليوم خمر وغدا أمر ) واتجه صوب بلاد الروم يبحث عن حلفاء يساعدونه في استرداد ملك ابيه المسلوب ، حتى ان ما اصابه في الطريق من عناء وتعب وهوان وهو ابن النعيم والترف والملك ، قد ابكى خادمه الذي كان معه ، فقال امرؤ القيس في ذلك:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وايقن أنا لاحقان بقيصرا
قلت لا تبكِ عينك إنما
نحاول ملكا او نموت فَنُعذرا
انه الملك او الموت في مفهوم إمرؤ القيس وانه الموت او العذر وانني اربأ بكم يا اصحاب السيادة والفخامة والجلالة ان يكون امرؤ القيس اكثر منكم رجولة وحميمة واذا كان هو قد صحا من سكرته ، فمتى تفعلون انتم ذلك ؟!
نعم ان الواجب يملي عليكم وان الاصالة العربية تحتم عليكم ان تعملوا من اجل استرداد الحق المغصوب ، ولما انكم لم ولن تفعلوا ذلك ، فعلى الاقل من اجل ان تعذروا وعلى الاقل لا تكونوا في خدمة من يريدون حصار وخنق من يحاولون ان يقولوا للدنيا كلها اننا عرب واننا مسلمون واننا فلسطينيون لا نقبل الضيم ولا نرضى بالهوان ، يا هؤلاء لا يكن امرؤ القيس أنبل منكم ، ولا تكن امرأة ضعيفة ولكنها حُرّة وشريفة أغير منكم واطهر !!
رحم الله قارئا دعا لنفسه ولي بالمغفرة
{ ...والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون }