فهرس الكتاب

الصفحة 9184 من 9994

عباد الله إن حادثة الإسراء والمعراج كانت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد اختلف المؤرخون في تحديد السنة والشهر الذي وقعت فيه هذه الآية العظيمة منهم من قال: إنها في ربيع الأول، ومنهم من قال: إنها في ربيع الآخر، ومنهم من قال: إنها في رجب، ومنهم من قال: إنها في رمضان، ومنهم من قال: إنها في شوال، وليس على واحد من هذه الأقوال دليل صحيح يعتمد عليه، كما أنه يجب أن تعلموا يا عباد الله أنه ليس في ليلتها فضل خاص، فلا تخص بقيام ولا احتفال، ولا بغير ذلك فإن هذا كله من البدع، وكل بدعة ضلالة، وبهذا يتبين خطأ الذين يحتفلون في ليلة السابع والعشرين من هذا الشهر، فوالله لو كان ذلك خيراً لسبقنا إليه الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان فاتقوا الله عباد الله فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة فإن الله مع الجماعة.

(1) الحديد:28 .

(2) الأنعام: 124.

(3) أخرجها البخاري في بدء الخلق برقم 3207 من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه .

(4) التوبة: 124- 125.

(5) الإسراء:1.

(6) النجم: 1- 18 .

(7) أخرجه البخاري في الجنائز برقم 1358 وأخرجه مسلم في القدر برقم 2658.

(8) المدثر:42 -43 .

(9) الأحزاب: 36 .

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن أبرز خصائص وسمات هذه الأمة المباركة أنها أمة جهاد ومجاهدة فقد بعث الله فيها خاتم أنبيائه وآخر رسله وأمره بدعوة الناس كافة وقتال من خالف أمره فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ) ) (1) . رواه أحمد وأبو داود بسند جيد. وقد قام نبينا r بالجهاد حق القيام فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان، والدعوة والبيان، والسيف والسنان، فكانت حياته موقوفة على الجهاد في سبيل الله ولهذا كان أرفع العالمين ذكراً، وأعظمهم عند الله قدراً، وقد خاض بنفسه r كثيراً من المعارك فأصيب r وأصيب أصحابه في بعضها ثم كانت العاقبة لهم.

هم العصبة المثلى ولولا جراحهم

لظل بهيم الليل كالموج عاتيا

أولئك أتباع النبي وحزبه

ولولا هم ما كان في الأرض مسلم

ولولا هم كانت ظلاماً بأهلها

ولكن هم فيها بدور وأنجم

فصلوات الله عليه وعلى أصحابه الذين قاموا بالدين خير قيام.

أيها المؤمنون إن من المعارك التي خاضها النبي r بنفسه غزوة أحد (2) التي كانت محلاً لأحداث كبار ودروس وعبر عظام. فهي فياضة بالعظات الغوالي، والمواعظ القيمة، أنزل الله فيها آيات طوالاً وإليكم أيها الإخوة عرضاً موجزاً سريعاً لأحداث هذه الواقعة. فقد كانت هذه الغزوة في شوال من السنة الثالثة من الهجرة أي بعد تلك الهزيمة النكراء التي لحقت بالمشركين يوم بدر، يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان. فلم يقر لقريش قرار بعد تلك النازلة فلما استدارت السنة خرجت قريش وحلفاؤها وانضم إليهم كل ناقم على الإسلام وأهله فخرج الثائرون في عدد يربو على ثلاثة آلاف مقاتل فوصلوا مشارف المدينة قريباً من جبل أحد فاستشار النبي r أصحابه يوم الجمعة في الخروج فخرج إليهم بنحو ألف مقاتل فما لبث رأس النفاق عبد الله بن أبي أن انخذل بثلث العسكر ورجع إلى المدينة، فتعبأ رسول اللهr للقتال وعبأ من كان معه من الصحابة ورتب الجيش، فجعل عبد الله بن جبير على الرماة وكانوا خمسين رجلاً وقال لهم: احموا ظهورنا وأمرهم أن يثبتوا مكانهم فكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار فانهزم أعداء الله ورسوله وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم فلما رأى الرماة هزيمة المشركين ونصر المؤمنين ولاحت الغنائم ثار في نفوس بعضهم حب الدنيا فغادروا مواقعهم يبغون الغنائم والأسلاب وتركوا مراكزهم التي أمرهم رسول اللهr بحفظها وقالوا: يا قوم الغنيمة؛ فذكرهم أميرهم عهد رسول الله r فلم يسمعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة، فأخلوا الثغر، فكرَّ فرسان قريش لما رأوا الثغر خالياً فأحاطوا بالمسلمين، وأتوهم من حيث لم يحتسبوا فارتبكت صفوف المسلمين، وانقلبت الكفة لصالح المشركين، وتلك الأيام نداولها بين الناس، قد جعل الله لكل شيء قدراً، فقتل سبعون من الصحابة رضي الله عنهم. منهم حمزة عم رسول اللهr وأسد الله ورسوله فحزن المسلمون لذلك أشد الحزن حتى قال كعب بن مالك:

بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل

على أسد الإله غداة قالوا أحمزة ذاكم الرجل القتيل

أصيب المسلمون به جميعاً هناك وقد أصيب به الرسول

واشتد الخطب على المسلمين في تلك المعركة وخلص المشركون إلى رسول الله r يريدون قتله، فجرحوا وجهه، وشجوا رأسه، وكسروا رباعيته، ورموه بالحجارة، وحصروه حتى وقع على شقه، وسقط في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عمر الفاسق، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة حتى سقطت ثنيتاه، وحاول المشركون قتل رسول الله r فحال دونه نفر قليل من المسلمين قتلوا جميعاً ثم جالدهم طلحة رضي الله عنه حتى ردهم عن رسول الله r، وحمى أبو دجانة رسول الله r بظهره فكان النبل يقع على ظهر أبي دجانة وهو لا يتحرك وصرخ الشيطان عدو الله ورسوله بأعلى صوته إن محمداً قد قتل، فاغتم المسلمون لذلك غماً شديداً حتى ألقى بعض المسلمين السلاح فمر أنس بن النضر رضي الله عنه على بعض هؤلاء فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قتل رسول الله. فقال: ما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات، ثم إنه استقبل المشركين رضي الله عنه ولقي في طريقه سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: واهاً لريح الجنة يا سعد إني لأجد ريحها من دون أحد فقاتل حتى قتل رضي الله عنه، ووجد به سبعون ضربة. فأقبل رسول الله r نحو المسلمين فصاح رضي الله عنه بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله r فأشار إليه النبي أن اسكت واجتمع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشعب فأراد رسول الله r أن يعلو صخرة هناك فلم يستطع لما به فجلس طلحة تحته حتى صعد رسول الله r على ظهره فقال رسول الله r: أوجب طلحة. وحانت الصلاة وهم على هذه الحال فصلى رسول الله r بأصحابه جالساً وقد أصاب الإعياء الفريقين فانحاز كل فريق إلى معسكره وركبت قريش الإبل وجنبت الخيل مؤذنة بالرحيل فلما دنا الرحيل أشرف أبو سفيان وصرخ بأعلى صوته: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه. فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى الله لك ما يسوؤك فقال أبو سفيان: قد كان في القوم مثلة (أي تمثيل) لم آمر بها ولم تسؤني ثم قال: اعل هبل فقال رسول الله r (ألا تجيبونه؟) فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: (الله أعلى وأجل) ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم فقال: ألا تجيبونه؟ قالوا ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال فأجابه عمر فقال: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت