مازن التويجري ...
ملخص الخطبة ...
1 ـ عزلة النبي في غار حراء وتحنثه فيه. 2 ـ نزول الوحي عليه في غار حراء.3 ـ تفسير ورقة للنبي ما حصل له في الغار 4 ـ انقطاع الوحي ثم عودته5 ـ بدء الدعوة السرية. 6 ـ الجهر بالدعوة على جبل الصفا7 ـ إيذاء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وهمها بقتله. 8 ـ الهجرة إلى الحبشة9 ـ قصة إسلام عمر. ...
الخطبة الأولى ...
وبعد ذلك تباعدت الشقة بين النبي وبين قومه، وأضحى يقلق لما يراهم عليه من الشقاوة والفساد، واشتد هذا القلق، حتى ما عاد يطيق الإقامة بينهم، فأخذ يحث المسير إلى غار حراء يتعبد فيه ويخلو، على بقايا دين إبراهيم عليه السلام، وهو غار لطيف، يقيم فيه شهر رمضان المبارك يطعم فيه من جاءه من المساكين، ويتفكر فيما حوله من مشاهد الكون، وكان اختياره لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وليعده لما ينتظره من الأمر العظيم، ولا بد لأي روح يراد بها أن تؤثر في واقع حياة البشر فتحولها وجهة أخرى.. لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل حياتهم.
ولما تكامل له أربعون سنة، وهي رأس الكمال ولها تبعث الرسل، بدأت آثار النبوة تلوح من وراء الأفق، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود ذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ: فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأْكْرَمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1 ـ 5] فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة، مالي؟ وأخبرها الخبر، لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرءًا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى، فأخبره رسول الله خبر ما رأى؟ فقال له ورقة، هذا الناموس الذي نزَّله الله على موسى، يا ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله: (( أو مخرجيَّ هم ) )قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي"."
روى البخاري في صحيحه ما نصه: وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال يا محمد: إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
قال ابن حجر رحمه الله: وكان ذلك (أعني انقطاع الوحي أيامًا) ليذهب ما كان وجده من الروع، وليحصل له التشويق إلى العود، فلما تقلصت ظلال الحيرة وثبتت أعلام الحقيقة، وعرف معرفة اليقين أنه أضحى نبيًا لله الكبير المتعال، وأن ما جاءه سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء، وصار تشوفه وارتقابه لمجئ الوحي سببًا في ثباته واحتماله عندما يعود، روى البخاري عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله يحدث عن فترة الوحي قال: فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني، زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ثم حمي الوحي وتتابع حينها قام رسول الله ، فظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامُا، لم يسترح ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله، قام يحمل على عاتقه العبء الثقيل عبء الأمانة الكبرى في هذه المعمورة عبء البشرية كلها، عبء العقيدة ونشرها، وعبء الكفاح والجهاد جهاد السيف والكلمة، والدعاء والدعوة.